التّواضع والتقشف والتعبّد ، وطرح التكلّف ، وحسن السّمت ، ومحبّة الفقراء ، والمناقب الجمّة ، بحيث قلّ أن ترى العيون في مجموعه مثله ، وقد عيّن مرة لقضاء الديار المصرية ، فلما بلغه ذلك توارى ، وذكر أنه فتح المصحف في تلك الحالة فخرج له :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
[ يوسف : 12 / 33 ] .
فأطبقه ، وتوجّه إلى منية السّيرج ، فاختفى بها أياما حتى ولي غيره ، فعاد .
وقال المقريزي : إنّه صنّف في الفقه والحديث / والنّحو ، وقد حجّ كثيرا ، وجاور مرّة ، وحدّث هناك ، وأقرأ ، ثم رجع .
فمات بالطّريق في يوم الأربعاء ثامن المحرم سنة اثنتين وثماني مائة بمنزلة كفافة ، ونقل إلى المويلحة ، فغسل ، وكفن ، وصلي عليه في يوم تاسوعاء ، ثم حمل إلى عيون القصب فدفن بها ، وعملت له قبّة ، وقبره بها يتبرّك به الحجيج .
قلت : قد زرته ، وأصل القبّة لبهادر الجمالي النّاصري أمير الحج كما قرأته على لوح قبره ، وأنه مات في رجوعه من الحج في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبعمائة ، وقبل الدخول إليها مكان آخر ، وأظنّه محلّ الشّيخ ، ولا قبّة تعلوه .
ورثاه العراقي بأبيات دالية .
وحكى الشّهاب أحمد بن محمد بن عبد اللّه نزيل الجيزة وأحد فضلائها وصلحائها ، وهو من تلامذته أنّه سمعه يقول للبلقيني : إنّه سمع كلام الموتى في قبورهم ، وإنّه كان في البقيع من المدينة فوقف عند قبر جديد ليسأل عن صاحبه ، فقال له شخص كان يقرأ عليه من قبر :
يا سيدي لم تقف عند قبر هذه الرّافضية ؟ .
قال : فرأيت البلقيني احمرّ وجهه ونزلت دموعه ، وقال : آمنت بذلك .
وناهيك بهذه القصة في جلالة البرهان انتهى .
وهو شيخي بالواسطة من أهل الطبقة الثالثة ، روى لنا خلق عمّن روى عنه .