ومن ظنّ أنّ العقل يدرك كنهه * فقد صار عرفا في الضلالة والحمق
ولما رأينا كلّ جسم مركّبا * علمناه محتاجا إلى الوجد المبقي
فمبدئ كلّ الكائنات منزّه * عن الشكل والمقدار والجمع والفرق
ولما وجدنا جسمنا متركّبا * من العظم والغضروف والجلد والعرق
وشيئا لمرآنا وعظما لسمعنا * وشحما سخيفا للسان والنطق
قضى العقل فيه أنّه متولّد * بتدبير خلّاق يدبّر بالرفق
ومما يقوّي كونه متعاليا * عن الطبع والإيجاب في العلق والفلق
تفاوت أوصاف الذوات بأسرها * من الوضع والمقدار والخلق والخلق
ومما يقوّي كونه غير موجب * تفاوت حال الخلق في الرتق والفتق
ومما يجلّي حكمه وامتداده * تخالف وصف البحر في الشكر والبثق
ومما يزيل الريب عن صدق ديننا * عجائب حال الحمل في منتهى الطلق
براهين دين الله جمّ كثيرة * ومنكرها في الخزي والبعد والسحق
ومن دار للدين الحنيفيّ عقله * يصير مدى مرآه في ليله طلق
ومن عجب الأقدار دولة جاهل * ومكث لبيب في الكدورة والرنق
وكم قد رأينا جاهلا ملك الورى * وكم قد رأينا كاملا ضيّق الرزق
يجدّ فلا يجدي ويسعى فلا يرى * ويبعث يوم الحشر بالأعين الزرق
وكم أحمق قد ساد بالحمق عالما * وكم من بلاء جرّ بالعقل والحذق
عجائب آيات تعاظم وصفها * على الحكماء اللسن والألسن الذّلق
ولاح بأنّ الكلّ من حكم حاكم * سرى حكمه في الطول والعرض والعمق
إلهي لساني في ثنائك قائم * وموقف نفسي موقف الذلّ والرّقّ
ولكنّ ذلا عندنا بك عزة * وشبهة ذاك الرّقّ خير من العتق
حرارة حبّ خالطت حبة الحشا * إلى الحبّ فيه أن يلين لمستوق
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 358
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٣٥٨