لو كان عرشيّا لكان مركبا * ولكان كالإنسان في الجثمان
لو جاء قيوم السماء بذاته * يوم القيامة كان في الحدثان
لو كان ينزل من أعالي عرشه * لإفاضة الإحسان والغفران
لتبدلت أوصافه في ذاته * ولكان ذلك غاية النقصان
من كان هذا دينه فكأنه * قد فاق أهل الشرك في الخذلان
أو كان هذا منتهى توحيده * فعليه محض لعائن الرحمن
ومحمد خير البرية جاءنا * بشريعة تهدي إلى الرضوان
فمن المحال مجيئه في دينه * بالسخف والتشبيه والبهتان
لولا التغير والتناهي لم يكن * بالنجم ما يرميه بالحدثان
يا من توحّد في وجوب وجوده * وعلا على الأشياء لا بمكان
يا حيّ يا قيوم يا محيي الورى * يا دائم المعروف والإحسان
يا منتهى أملي وغاية رغبتي * وعليك معتمدي بكلّ أوان
أدعوك دعوة خاشع متخوّف * متلهف من كثرة العصيان
لا تشغلنّي عن جلالك لحظة * بشواغل الأفلاك والأركان
لا تحجبني عن جلالك لمحة * في لاحي الأحياز والأحيان
أنت الذي خلق الخلائق كلّها * بدلالة الحدثان في الأعيان
أنت الذي علم الحقائق كلّها * بشهادة الإحكام والإتقان
أنت المريد لخيرنا ولشرّنا * بإمارة التخصيص والرجحان
أنت السميع لقولنا ودعائنا * في حالي الإسرار والإعلان
أنت البصير بخيرنا وبشرّنا * في طوري الوجدان والفقدان
أنت المغيث لنا وكاشف ضرّنا * ومجير جاهلنا من النيران
وأنا الضعيف المستجير بفضلكم * عند البلى في ملبس الأكفان
قد هدّ أوصالي وأضعف قوتي * طول الزمان وكثرة الأحزان
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 356
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٣٥٦