تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غربال الزمان في وفيات الأعيان — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
فمال كثير منهم ، وتحصن محمد بالمدينة ، وأعمق خندقها ، وزحف إليه عيسى وناداه بالأمان ، وناشده اللّه ، ومحمد لا يرعوي لذلك ، ولما ظهر له تخاذل أصحابه اغتسل وتحنّط وقاتلهم بنفسه قتالا شديدا ومعه ثمانون رجلا ، وقتل بيده اثني عشر رجلا ، ثم قتل واستشهد لثنتي عشرة ليلة من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ، وله اثنتان وخمسون سنة ، وقبره بالبقيع مشهور ومزور ، وبعث برأسه إلى المنصور وكان مدة قيامه شهرين واثني عشر يوما . وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة في هذه السنة أيضا ، وقد كان سار إليها من الحجاز ، فدخلها سرا في عشرة أنفس ، فدعا إلى نفسه سرا ، وجرت له أمور ، وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم حتى اتسع الخرق ، وخرج أول ليلة من رمضان ، ونزل إليه متولي البصرة بالأمان ، ووجد إبراهيم في بيت المال ستمائة ألف ففرقها في أصحابه ، ولما بلغ المنصور خروجه تحول إلى الكوفة ليأمن غائلة أهلها ، وألزم الناس لبس السواد ، وجعل يقتل ويحبس من اتهمه ، وبعث إبراهيم عاملا إلى الأهواز وآخر إلى فارس وسائر البلدان ، فأتاه مقتل أخيه بالمدينة قبل عيد الفطر بثلاث ، فغدا منكرا منكسرا ، وجهز المنصور لحربه خمسة آلاف ، فكان بينهما وقعات قتل فيها خلق كثير ، ولم يبرح المنصور حتى قدم عيسى بن موسى من المدينة ، فوجهه إلى إبراهيم ، وجعل المنصور لا يقرّ له قرار ولا يأوي إلى فراش خمسين ليلة ، كل ليلة يأتيه فتق من ناحية ، وعنده مائة ألف بالكوفة كامنة له ، ولو هاجم عليه إبراهيم الكوفة أوقع به ولكنه قال : أخاف أن يستباح الصغير والكبير ، فقيل له : إن كان هذا فلم خرجت عليه ؟ ! فالتقى الجمعان على يومين من الكوفة ، وظهر جيش إبراهيم وتهيأ له الفتح لولا حملة من عيسى بن موسى وطاهر بن سليمان بن علي ، فكسروا جيش إبراهيم ، وجاءه سهم غرب « 1 » فوقع في حلقه ، فأنزلوه وهو يقول : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . وبعثوا برأسه إلى المنصور في آخر ذي القعدة وله ثمان وأربعون سنة ، وهرب أهل البصرة برا وبحرا .
هامش
( 1 ) سهم غرب : لا يدرى راميه . ( القاموس المحيط ) .
غربال الزمان في وفيات الأعيان — صفحة 134 | يحيى العامري الحرضي اليماني