ويشرح أبو المحاسن يوسف الحكمة من تسمية كتابه بهذا الاسم ، فيقول « 1 » ، ( وتسميتي للتاريخ المذكور « والمستوفى بعد الوافي » إشارة لتاريخ الشيخ صلاح الدين ( خليل بن أيبك الصفدي ) لأنه سمى تاريخه « الوافي بالوفيات » إشارة على تاريخ ابن خلكان ، إنه ، يوفى بما أخل به ابن خلكان ، فلم يحصل له ذلك ، وسكت هو أيضا عن خلائق ، فخشيت أنا أيضا أن أقول « والمستوفى على الوافي » فيقع لي كما وقع له ، فقلت « والمستوفى بعد الوافي » . . . ) .
ويستفاد من هذه العبارة أنه إذا كان خليل بن أيبك قد أراد بكتابه الوافي بالوفيات أن يكون تصحيحا لكتاب وفيات الأعيان لابن خلكان ، فإن ابن تغرى بردى أراد بكتابه المنهل الصافي أن يكون تكملة لكتاب الوافي لابن أيبك . وكل ما هنالك هو أن ابن تغرى بردى استفاد من الخطأ الذي وقع فيه ابن أيبك ، فكان حذرا في تسمية كتابه حتى لا يأخذ عليه إنسان ما أخذ على ابن أيبك .
وحرص ابن تغرى بردى في تقدمته لكتاب المنهل الصافي على أن يبرز حقيقة هامة ، هي أنه لم يؤلف هذا الكتاب زلفى إلى أمير أو سلطان ، ولا لتحقيق رغبة صديق من الأخوان ، « بل اصطفيته لنفسي ، وجعلت حديقته مختصة بباسقات غرسى ، ليكون في الوحدة لي جليسا ، وبين الجلساء مسامرا وأنيسا . . » .
ولا يخفى علينا أن كتابة التراجم والسير ليست بالأمر السهل الهين ، لأن كاتبها يتعرض بالذكر لأناس ماتوا ، لهم حسناتهم وسيئاتهم ، ويتطلب الحكم عليهم نظرة أمينة فاحصة ، بعيدة عن الظن ، سليمة من التحيز ، مجردة عن العاطفة ، ويعطى فيها المؤرخ كل ذي حق حقه دون إفراط أو تفريط . ويزداد الحرج الذي يصادفه كاتب التراجم والسير إذا كان يكتب عن شخص تربطه به
هامش
( 1 ) النجوم الزاهرة ، ج 11 ص 19 .