هاجر ، ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي ، وعند وفاة محمد بن العديم تزوجت هاجر قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني ، فتولى بدوره إتمام تربية يوسف شقيق زوجته . وهكذا قدر للمؤرخ أبى المحاسن يوسف أن يشب منذ نعومة أظفاره في بيت علم ودين ، وأن يسهر على تربيته وينهض بتنشئته اثنان من أكابر فقهاء عصره وأوسعهم علما وأكثرهم جاها وصيتا ، فدرس أصول النحو والبلاغة والفقه والحديث وغيرها من العلوم ، وأجازه عدد كبير من مشايخ علماء عصره ، حتى استولى علم التاريخ على حواسه ، ولازم بدر الدين العيني حينا وأحمد بن علي المقريزي أحيانا ، وهما أبرز مؤرخي زمانه ، وبذلك تأصلت فيه الحماسة التاريخية ليصبح بدوره علما من أعلام فن كتابة التاريخ .
على أن نشأة أبى المحاسن يوسف في رحاب العلم والدين لم تحل دون أخذه بقسط من تعاليم الفروسية ولعب الرمح ورمى النشاب وغيرها من التدريبات التي كانت تتزود بها طبقة المماليك . وهنا ينبغي ألا ننسى مطلقا أن المؤرخ أبا المحاسن كان ابنا لأمير كبير من أمراء المماليك ينتمى إلى طبقة أرباب السيوف ، فإذا أضفنا إلى ذلك كله براعة أبى المحاسن يوسف في لعب الكرة ، وعلم النغم والإيقاع ، وقدرته على نظم الشعر بالعربية والتركية ، أدركنا أخيرا أننا أمام رجل متعدد المواهب ، متنوع القدرات ، واسع الذكاء .
رابعا - كان المؤرخ أبو المحاسن يوسف بحكم أصله ونشاطه ومكانته مقربا من سلاطين المماليك الذين عاصرهم ، وخاصة برسباى وجقمق وخشقدم .
وتبدو أهمية هذه الحقيقة في أن المؤرخ أبا المحاسن يوسف لم يكن بعيدا عن دائرة الحوادث المعاصرة ، بل كان بحكم اتصاله - وأحيانا التصاقه - بالحكام وأفراد الطبقة الحاكمة يعرف الكثير عن أسرارهم وأخبارهم وخفايا الحوادث الدائرة ، وهو ما لم يتح لكثير غيره من المؤرخين المعاصرين . ومن هنا تبدو أهمية ما كتبه
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي — صفحة 7
مساهمون: محمد محمد أمين
ص٧