تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
صلة من الصلات . ولا شك في أن نسبة كبيرة من الذين ترجم لهم ابن تغرى بردى ربطته بهم روابط بعيدة أو قريبة ، قد تكون مجرد رابطة العاطفة والأحاسيس على الأقل ، مما يجعل الكاتب في حرج لا يقل عن حرج القاضي المنصف الذي عليه أن يصدر حكما على بعض من تربطهم به صلة ما ، ويبلغ هذا الإحساس مداه عندما يترجم أبو المحاسن يوسف لوالده الأمير تغرى بردى ، إذ يقول ما نصه « انتهى ما أوردته من ترجمة والدي رحمه اللّه ، ولم أطنب في ذلك خوفا من قول القائل . . . . ويلحظ المدقق في كتاب المنهل الصافي لأبى المحاسن تعففا من المؤلف عن الخوض في مثالب الناس ، وإعراضا عن الخوض فيما يمس أعراضهم ، وعدم إسراف أو مبالغة في ذكر المحاسن والمزايا ، مع أمانة ملحوظة في تقصى الحقائق . وهذه الروح الطيبة في معالجة التراجم والسير لم تكن في حقيقة أمرها إلا تعبيرا صادقا عن أخلاق المؤرخ ابن تغرى بردى نفسه ، وهو الذي وصفه ابن إياس بأنه كان « حشما فاضلا » « 1 » . والواقع أنه إذا كان عصر سلاطين المماليك قد شهد نشاطا في كتابة التراجم والسير ، وهو النشاط الذي تمخض عن عدة كتب في التراجم مثل وفيات الأعيان لابن خلكان ، والوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي ، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ، والضوء اللامع للسخاوي ، فضلا عن التراجم التي ذكرها أصحاب الحوليات في ختام كل سنة أرّخوا لها ، إلا أننا نلحظ أشياء جديدة انفرد بها كتاب المنهل الصافي ، ففي هذا الكتاب ترجم ابن تغرى بردى لبعض الشخصيات التي أغفلها غيره من المؤرخين المعاصرين ، وذكر مزيدا من التفصيلات والخبايا التي لم يذكرها بقية زملائه الذين ترجموا لنفس الأشخاص . ويبدو أن ابن تغرى بردى لم يكن مبالغا عندما قال عن كتابه المنهل الصافي « فانى هناك ( في هذا الكتاب ) سقيت الغلة وأزحت العلة . . . » . دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور
هامش
( 1 ) ابن إياس : بدائع الزهور ، ج 2 ص 118 .