تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وقال فخر القضاة ابن بصاقة « 1 » ، وكان ينادم المعظّم : كنت كأني أنادم بعض أصحابي بل أحد غلماني ، ما رأيت أنصف منه ، ولا أحبّ في راحة نديمه ، وكأنّ مجلسه الجنة ، ليس فيه إلا الراحة بلا كلفة ، ولقد ارتفعت المناقشة والمحاسبة بيننا وبينه ، وكان يشرب معنا ويحضر مجلسنا عنده جنديّ كبير من حلقته ، له خبز يصلح لعشرة من الجند . وكان شجاعا ، لكنه كان ثقيل الطّلّعة ، بغيض المراجعة والمحاققة ، وإذا سكر عربد بالكلام على المعظّم ويقول : إنّ خبزي لا يصلح لغلام من غلماني ، فإني فعلت وصنعت في اليوم الفلاني ، وفي الوقعة الفلانية ، ويعدّد ما يفطّر به أكباد الحاضرين ، والسلطان يضاحكه ويباسطه ويجاوبه بلطافة فطال ذلك ، وصار يقول : أريد دستورا « 2 » ، فقلت له يوما : أنت ملك عظيم ، وليس على يدك يد ، ولا لك عدوّ تخافه ، وجرايتك وافرة ، وجندك كثير ، وبلادك واسعة ، فعلام تحتمل من هذا ما نشاهده منه في كل ليلة ؟ فقال : اعلم أننا في مجلس المنادمة ، وأنه يحسن الحرب ، وقد عاينت مواقفه ، فأحببت أن أعطيه خزا يصلح لعشرة أمثاله ، وعلمت أنه ماله غاية ولا قناعة في الطّلب ، فنفسه طمّاعة على قدر شجاعته وتهوره في الحرب ، وإنما يصدر هذا منه في حال السّكر ، فإذا صحا تراجع وظهرت في وجهه النّدامة والحياء ، فأنا أحتمل
هامش
( 1 ) تقدم التعريف به قبل قليل . ( 2 ) الدستور : الأمر السلطاني ، الإذن ( الألفاظ الفارسية المعربة ، نهاية الأرب 8 / 210 - ح 4 ) .