تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وبالغ في الضّبط ، واتّبع القواعد القديمة ، وأجرى البلاد والنّواحي على القوانين السّالفة ، وكان الأمير جركس الخليلي « 1 » قد أقيم مشير الدّولة ترجع الوزراء إلى رأيه ، ولا تبرم أمرا إلا بعد مراجعته ، فلم يعبأ به ، ولا التفت إليه ، بل عارضه ومنعه من التحدّث في شيء من أمر الدولة . فهابه الكافّة ، وعظم قدره عند الخاصّة والعامّة ، وتمكن من سلطانه وصار صاحب رأيه وعمدة تدبيره ومصدر أمره ونهيه ، فزادت هيبته ، واتّسع نطاق قوته ، حتى إن السلطان - فيما يذكر - أمره يوما فوضع يده فوق يده وقد / حضر الأمراء بأسرهم وقال لهم : « كما أنّ يد الوزير فوق يدي كذلك كلمته فوق كلمتي » . فلم يبق في الدّولة عظيم من عظمائها حتى خنع له وتصرّف بأمره . وكان مع ذلك مقتصدا في ملبسه ومركبه وزيّه ودسته « 2 » ، لم يغيّر شيئا من حاله التي كان عليها قبل الوزارة ، ولا تحوّل عن داره إلى أكبر منها ، ولا جدّد خدما ولا حشما ، ومنع الناس من الركوب معه والمسير بين يديه كما هي عادة الوزراء . فكان يمرّ في الطّرقات ، ويسير إلى الخدمة السّلطانية على فرسه كآحاد المتوسطين من الكتّاب ، ومن ورائه الغلام على بغل ، ورديفه عبد يحمل دواته تحت إبطه لا يزيد على ذلك شيئا البتّة طول مدته في الوزارة . وكان إذا جلس في دست وزارته يكون على لبّاد أحمر قد فرش على صفّة رقيقة على باب داره
هامش
( 1 ) أمير آخور الملك الظاهر برقوق . قتل في ربيع الآخر سنة 791 ه بالشام . ( تاريخ ابن قاضي شهبة ج 3 / 308 . وفي الدرر الكامنة 1 / 534 ذكر اسمه فقط ولم يترجم له ) . ( 2 ) الدست : صدر البيت أو المجلس ( صبح الأعشى 5 / 464 ) وهو بمصطلح أهل هذا الزمان : المكتب .