منه هذا الموضع بعينه ، وقد كتبه إمّا من خطّ ابن دقماق ، أو وقف على خطي عنده فقال هو أيضا : « أخبرني من لا أتّهم » فصار الناظر في خط ابن الفرات يحسب أنه هو راوي الخبر أيضا ؛ وما ذاك إلا غفلة .
وكان الصّارم - رحمه اللّه - عارفا بأمور الدولة التركية ، مذاكرا بجملة أخبارها ، مستحضرا لتراجم أمرائها ، ويشارك في أخبار غيرها مشاركة جيدة . وكان جميل العشرة ، فكه المحادثة ، كثير التودّد ، حافظا للسانه من الوقيعة في الناس ، لا تراه يذمّ أحدا من معارفه ، بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم مما يرمى به أحدهم ، ويعتذر عنه بكلّ طريق .
صحبته مدّة ، وجاورني عدة سنين ، وتردد إليّ كثيرا . وفي آخر عمره ولي ولاية ثغر دمياط « 1 » فلم يهنّ بها وغرم مالا ، وعزل عنها ، فمات ولده ثم مات بعقبه عن نحو الستين سنة في ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من ذي الحجة سنة تسع وثماني مائة بالقاهرة ، ومولده في ليلة الأربعاء [ . . . ع ] « 2 » رمضان سنة [ . . . . . . . . . ] « 2 » وأربعين وسبعمائة .
أخبرني صديقنا صارم الدين إبراهيم بن محمد بن دقماق مؤرّخ الديار المصرية قال : « أخبرني أبي أنّ النّيل لما توقّف سنة تسع وسبعمائة كانت العامّة تقول من هزلها : سلطاننا ركين ، ونائبنا دقين ، والماء يجي من أين ، أخرجوا لنا الأعرج ، يجي الماء يدحرج « 3 » ، يريدون بركين الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير « 4 » ، وهو يومئذ سلطان الديار المصرية .
هامش
( 1 ) دمياط : مدينة كبيرة على ساحل مصر على البحر الأبيض المتوسط ، على مصب الفرع الشرقي للنيل في البحر ( معجم البلدان 2 / 602 ، ناجيل ، مصر : 663 ، النجوم الزاهرة 12 / 40 ، 295 ) .
( 2 ) بياض في الأصل مقدار موضع كلمتين . وقال ابن حجر في ذيل الدرر . الترجمة 274 : « ولد بعد الأربعين » وقال السخاوي في الضوء 1 / 145 : « ولد في حدود الخمسين وسبعمائة » وكذا قال ابن العماد في الشذرات ج 7 ص 80 .
( 3 ) أوردها المؤلف على الدارجة المصرية ذلك الزمان .
( 4 ) من سلاطين المماليك بمصر والشام . كان من مماليك المنصور قلاوون وينسب إليه . ولما تسلطن الناصر -