وفاقتهم ، ويتكثّر بأنه أزال دولة وأقام أخرى ، ثم أعاد ما أزاله من غير حاجة إليه . ويصرّح بأن أخذه الملك لنفسه لو شاءه أسهل عليه من دخول الخلاء . ثم ترفّع عن وظيفة كتابة السّرّ وولّاها كاتبه فخر الدين / ابن المزوّق ، وانخلع من زيّ الكتّاب ، ولبس القباء « 1 » والكلفتة « 2 » وتقلّد بالسيف كهيئة الأمراء ، وتحوّل من داره إلى دار بعض الأمراء .
فعند ما تمّ أمره بدا النّقص ونزل به المرض الذي ما زال عنه حتى أزاله ، وشاهد الناس من تعظيم الأمراء له في مدّة مرضه وتردّدهم إليه كل يوم ، وقيامهم على أرجلهم بين يديه ، وتصرّفهم فيما يأمر به وينهى عنه ما لم يعهد مثله إلا لملك مستبدّ إلى أن مات ضحوة نهار الخميس تاسع عشر رمضان سنة ثمان وثماني مائة ، ولم يكمل ثلاثين سنة من العمر . فشهد الأمراء بأجمعهم جنازته مشاة من داره ببركة الفيل « 3 » إلى مصلى المؤمني « 4 » تحت القلعة . وهي مسافة بعيدة . وعاين الناس عجبا من تجمّع الناس من كلّ جهة لمشاهدة نعشه مع كثرة تأسّف الخاصّة والعامّة ، وانطلاق الألسنة بالتّرحّم عليه والدّعاء له وكثرة البكاء . ونزل الناصر حتى صلّى عليه وحمل تابوته عندما رفع من المصلى ، وعزم على المضيّ إلى تربته لولا
هامش
( 1 ) القباء : لباس ( قفطان أو فرجية ) ، وقد وصف المقريزي الأقبية في عهد المماليك بأنها بيضاء أو مشهرة أحمر وأزرق ، وهي ضيقة الأكمام ، منها المطرز المزركش ، وتسمى أقبية بطرز مزركش ( دوزي ) .
( 2 ) الكلفتة أو الكلوت : لباس للرأس في عهد المماليك ، يشبه القلنسوة أو الطاقية ( دوزي ) .
( 3 ) كانت بظاهر القاهرة ، وهي كبيرة جدا ، ولم يكن في القديم عليها بنيان ، ثم عمر الناس حولها بعد الستمائة حتى صارت مساكنها أجمل مساكن مصر كلها ، يدخل إليها ماء النيل من الموضع الذي يعرف أيام المقريزي بالجسر الأعظم تجاه الكبش . ومكانها اليوم الحي المعروف بالحلمية الجديدة ( خطط المقريزي 2 / 161 - 162 والنجوم الزاهرة : 7 / 365 - ح 3 ) .
( 4 ) أنشأ هذا المصلى الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد اللّه المؤمني سنة 765 ه ، وأنشأ معه سبيلا بالرميلة في القاهرة ( النجوم 12 / 161 - ح 2 ) .