العشاء الآخرة ، وتلقّب بالملك المنصور ، وقام ابن غراب بأعباء دولته ، إذ هو جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب « 1 » ، واطّلع يشبك على أمر الناصر فسرّ بذلك ، ورأوا من الرّأي إبقاء الناصر ليستقيم لهم الغرض من الأمراء ، أو يخرجوه لهم ، فلما قوي شأن أمراء المنصور عبد العزيز خاف ابن غراب ، فعاد يرفو ما خرق ويبني ما هدم بعد ما استدعى يوما إينال باي وهو عظيم الدولة إلى منزله وهمّ بالقبض عليه ، ثم تلكّأ فأسرع إينال باي القيام ، فعند ذلك أظهر الناصر فرج في ليلة دبّر له فيها أمره وجمع عليه الأمراء في بيت الأمير سودون الحمزاوي « 2 » ، فلم يشعر الناس سحرا إلا والصّارخ بأنّ الملك الناصر قد ظهر بعد أن كان الكثير من الأمراء وغيرهم لا يشكّون في أن سودون تلي المحمّدي أمير آخور قتل الناصر وأخذ ما كان معه من الجواهر ، وزحف بمن معه من الأمراء والمماليك وقد تلاحقوا به من كل مكان إلى القلعة ومعه ابن غراب إلى جانبه وهو لابس السلاح . فما ارتفعت الشمس حتى انهزم بيبرس وإينال باي ، واستولى الناصر على القلعة وجلس على تخت ملكه ، فألقى مقاليد ملكه إلى ابن غراب ، وفوّض إليه ما وراء سريره ، ونظمه في خاصّة أكابر الأمراء ، وأناط به جميع أمور المملكة ، فغدا مولى نعمة كلّ من السلطان والأمراء يمنّ عليهم بأنّه أبقى لهم مهجهم وأعاد إليهم ما سلبوه من ملكهم ، وأمدّهم بماله عند احتياجهم
هامش
( 1 ) الجذيل ( بضم الجيم ) : تصغير جذل ( بكسر الجيم ) : عود ينصب للإبل الجربى تحك جسمها به ، أو أصل الشجرة ، والعذيق ( بضم العين ) : تصغير ( عذق ) بكسر فسكون : وهو كل غصن له شعب ، أو هو النخلة ، والترجيب : دعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها . وهي عبارة تقال عن المجرب ذي الرأي والعلم الشافي ، وله جانب منيع تدعمه عشيرة وتعضده وترفده ( لسان العرب : جذل ، عذق ، رجب ) .
( 2 ) هو سودون المحمدي الظاهري برقوق ، ويعرف بتلي أي المجنون . كان من أعيان خاصكية سيده ، وترقى حتى استقر في الآخورية الكبرى . قتل بالإسكندرية سنة 818 ه ( الضوء : 3 / 285 ) .