نظر الجيش ، وكان فتح الدين فتح اللّه كاتب السر « 1 » قد خلا له وجه سلطانه بغيبة يشبك وابن غراب ، وعلت مرتبته ، وتميّزت مكانته ، وكان قد نفس عليه ابن غراب أنه استدعى منه مالا ليشبك في نوبة محاربتهم النّاصر ، فلم يسعفهم بشيء جريا على عادته في الإمساك ، وأخرى وهو أن ضرورة الوقت اقتضت مكاتبة أهل البلاد الشامية لمحاربة يشبك ومن معه ، فكان من لازم ذلك الغضّ منهم والإزراء عليهم ، ومنهم ابن غراب ؛ فأسرّها في نفسه لفتح اللّه ، وأخرى ، وهي أنّ فتح اللّه كان خصيصا بالظاهر أثيرا عنده ، فكان ابن غراب يترامى إذ ذاك عليه ، وربّما قبّل يوما رجله ليجد به سببا إلى نيل مقاصده عند الظاهر . فلما مات الظّاهر وآل أمر ابن غراب إلى ما ذكر أحبّ أن يستريح من فتح اللّه ، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أصلح أمر يشبك والأمراء المختفين في القاهرة مع الناصر ، وأخرجهم من خباياهم ، وأعادهم الناصر إلى أمرياتهم ، فاستعان حينئذ بيشبك وقبض على فتح اللّه ، وتقلّد كتابة السّرّ ، وألزم فتح اللّه بمال بعد الحبس والعقوبة ؛ ولم يكفه ذلك حتى تحوّل إلى صوب إينال باي فإنّه ثقلت عليه وطأته ووطأة الأمير بيبرس ابن أخت الظّاهر وبقيّة الأمراء الذين ناصحوا الناصر وحاربوا معه يشبك وحزبه ، فأسرّ حسوا في ارتغاء حتّى أوقع بين الأمراء فتنة آلت إلى تنكّرهم من الناصر ومخالفتهم عليه ، فوجد حينئذ السبيل إلى المقال ، فأوهمه وأخافه منهم القتل حتى خامر الخوف قلبه ، فرجع يحسّن إليه الفرار ، وواعده على المصير إليه ، وأعدّ له ثلاثة أفراس بظاهر القلعة مما يلي الجبل ، فترك الناصر ملكه وماله وخرج عند القائلة ليس
هامش
( 1 ) تقدم التعريف به بكتابة السر ص 65 .