كانوا لا يتحركون إلا بأمره ، وامتدّ أمره إلى أكابر أهل فاس ، فإنّه من عمل في يوم القتال شغلا أو فتح حانوتا أو ظهر بسوق قتل ، فكان ( في ) « 1 » القتال يخرج هو أول النّاس وينادي الجهاد في عدو اللّه .
هذا وأبو عبد اللّه بن منحوت يوهي أمر اللّبابي إلى أن أجمع رأي أهل دولته على أخذه وتسليم البلد إلى أبي زيّان في غد عند صلاة الصّبح ، وبعث الخبر ذلك إلى الحلفاوي ، فأشاعه عند سلطانه أبي زيّان ورؤساء بني مرين ، فعظم عند الخاصة والعامة واستقرّ في أنفسهم أنّه هو القائم بتدبير الأمور كلّها ولم يفطنوا بشيء من أمر الأستاذ أبي عبد اللّه ابن منحوت ، فلم يكن غير مضي اللّيل حتى تيقّن ومشيخة بني مرين أن اللّبابي قد قبض عليه جماعة كما أنذرهم به الحلفاوي ، فبادروا ودخلوا فاس الجديد لأيام من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثماني مائة ، فألقى السّلطان أبو زيّان مقاليد ملكه إلى الحلفاوي وسلّم إليه مشيخة مرين ولم ينازعوه لثقتهم به أنّه لا ينازعهم في رئاستهم ولا يقاسمهم أرزاقهم ، وأنّه إنّما يقوم للّه تعالى فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقط .
فما تمّ ذلك سوى شهر أو يزيد عليه قليلا حتى تغيّر بنو مرين على أبي زيّان وقالوا للحلفاوي إنّما عاهدناه وبايعناه على الكتاب والسّنة وقد خالف ذلك ، وظهر منه ظلم عظيم ، واستبدّ برأيه من غير مشاورتنا ، وعدّدوا له ذنوبا صدرت منه ، وأرادوه أن يقوم معهم على خلعه كما قام في إقامته سلطانا ، فوافقهم على ذلك وبعث بنو مرين إلى الوزير أبي البقاء صالح بن صالح بن حمّو الياباني أن يقدم عليهم وكان نازلا بأصيلا من الهبط وعنده أحد أولاد السّلطان أبي سعيد ، فقدم عليهم وأخذوا معه في حصار أبي زيّان بفاس الجديد .
فقام الحلفاوي معهم وجرى على عادته في القتال ، فعلم أبو زيّان أنّه مأخوذ لا محالة ، فبعث إلى الحلفاوي سرّا يسأله عن الموجب لقيامه عليه بعد ما كان ناصره ، فأعلمه بما صدر منه ، فيقال : إنّ أبا زيّان أطمعه
هامش
( 1 ) ما بين الحاصرتين إضافة منا .