كل صبيحة يوم في البرك ، وفي شدة حرّ الصّيف يجلس عريانا مكشوف الرّأس في الشمس وليس عليه سوى ما يستر عورته . ثم انتقل بعد ذلك إلى سقيفة طابونة سوداء أقام بها نحوا من ثلاث سنين لم ينزل عنها ولا خرج من باب دارها وجاءه بعض الأمراء وبنى له قبّة مليحة متّسعة وسأله السّكنى فيها وهو مشغول بحاله لا يفرق بين الطابونة والقبّة ، والنّاس مع ذلك يهرعون إليه في البلد الذي هو فيه ما بين أهل العلم والقضاة والأمراء وأرباب المناصب وهو لا يفرّق بين أحد منهم ولا يميّز بين شخصه واسمه .
وبلغت كراماته في الشّهرة إلى حدّ لا يكذّب به إلا معاند ، منها أن امرأة أتته وقالت له : إن لي بقرتين سرقتا ، فقال لها : حطّي الفول في المدود « 1 » وهما تأكلان ، فمضت عنه حتى كان في الليل أقبلت البقرتان وأفواههما مربوطة إلى أن أتيا إلى بيتها كأنّ سائقا يسوقهما فدخلا وأكلا كما قال الشّيخ .
وكان يأتي إلى البيّاع فيقول له : زن شيئا كذا أو كذا ، ثم يدخل يده في جيبه أو غيره فيزن له حقّه بتمامه من حصائله ، فظهر من طريقه .
وأتى مرة بمنسف خشب فيه طعام أرز فقال : سخّنوه ثم أمر به فوضع على النّار حتى اشتدّت سخونة الطّعام ولم يؤثّر النار في الخشب .
ثم نزل بعد ذلك القرافة واستقرّ بها بقية عمره حتى مات .
وقد قال الرّئيس الفاضل نور الدين أبو الحسن عليّ بن محمد بن محمد العسقلاني يذكر ما شاهد من فضائل الشيخ يحيى :
بسم الإله الواحد الخبير * القادر المقتدر البصير
الفاتح المهيمن الرّزاق * العالم المخترع الخلّاق
ثم الصّلاة والسّلام والرّضى * على النبيّ الهاشميّ المرتضى
هامش
( 1 ) المدود : المعلف الذي يوضع فيه طعام الحيوانات .