الذي قطع دعوة الحفصيين ملوك تونس من منابر تلمسان وأعمالها ، فقام من بعده ابنه أبو زيّان محمد بن عثمان بن يغمراسن ، وكان « 1 » قد أعدّ لبنا ليشربه فشرب منه ونام ففاضت نفسه وكانوا يرون أنّه سمّ نفسه لما هو فيه من شدّة الحصار .
فنهض أبو زيّان وقاتل أشدّ قتال حتى تمّ لهم في الحصر ثماني سنين وثلاثة أشهر نالهم فيها من الجوع والجهد ما لم ينل أمة من الأمم حتى أكلوا الجيف والقطاط والفئران وأشلاء الموتى من بني آدم ، وخرّبوا سقوف دورهم للوقود ، وغلت أسعار الأقوات والحبوب وغير ذلك غلاء تجاوز الحدّ . وكان مكيال القمح الذي يسمونه البرشالة وهو اثنا عشر رطلا ونصف بمثقالين ونصف من الذّهب ، والبقرة بستين مثقالا ، والواحد من الضأن بسبعة مثاقيل ونصف ، وكل رطل من لحم الجيف بشيء كثير ، أما البغال والحمر فيباع لحمها بثمن مثقال ، ولحم الخيل بعشرة دراهم الرّطل ، والرّطل من جلد البقر الميتة بثلاثين درهما ، والهرّ أو الكلب بمثقال ونصف ، والفأر بعشرة دراهم ، والدّجاجة بستة عشر درهما ، والبيضة بستة دراهم ، والأوقية من الزّيت أو السّمن باثني عشر درهما ، ومن الشّحم أو الفول بعشرين درهما ، والأوقية من الملح أو الحطب بعشرة دراهم ، والأصل الواحد من الكرنب بثلاثة أثمان المثقال ، والخسّة الواحدة بعشرين درهما ، واللّفتة الواحدة بخمسة عشر درهما ، والواحدة من القثّاء بأربعين درهما ومن الخيار بثلاثة أثمان الدّينار والبطّيخة الواحدة بثلاثين درهما ، والواحدة من التّين « 2 » أو الإجاص بدرهمين ؛ فهلكت أموال النّاس وضاقت أحوالهم وأنهك الجوع المقاتلة وأشرفوا عل الهلاك .
فأتاح اللّه لهم فرجا قريبا وذلك أنّ أبا زيّان جلس صبيحة يوم
هامش
( 1 ) يعني : عثمان .
( 2 ) في الأصل : « الطين » ، خطأ . وينظر تاريخ ابن خلدون 7 / 198 .