قرى غرناطة « 1 » .
كان سلفه ممن يعدّون في وزرائها ، وسكن أبوه عبد اللّه غرناطة وخدم بني الأحمر على مخازن الطّعام ، ونشأ ابنه محمد صاحب التّرجمة بغرناطة وقرأ وتأدّب على شيوخها ، واختصّ بصحبة الحكيم يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية ، وبرز في الطّلب ، وانتحل الأدب وامتلأ من حفظه نظما ونثرا مع انتقاء الجيّد منه ، ونبغ في الشّعر والتّرسيل بحيث لا يجارى فيهما ، ومدح السّلطان أبا الحجّاج ملك غرناطة فأكثر من مدائحه فرقّاه إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتّاب ببابه من تحت يد أبي الحسن ابن الجبّاب .
فلمّا مات ابن الجبّاب في طاعون سنة تسع وأربعين وسبع مائة ولّى السّلطان أبو الحجّاج حينئذ ابن الخطيب رياسة الكتّاب ببابه وأضاف إليه الوزارة فاستقلّ بذلك ، وصدرت عنه غرائب من التّرسّل من مكاتبات ملوك العدوة . ثم داخله السّلطان في تولية العمّال على يده بالمال فجمع له بها أموالا جمّة ، وبلغ من اختصاصه به ما لم ينله أحد قبله ، وتوجّه في الرّسالة إلى السّلطان أبي عنان بفاس .
فلمّا قتل السّلطان أبو الحجّاج في يوم الفطر سنة خمس وخمسين وقام من بعده ابنه محمد وقام بأمره رضوان واستبدّ بالدّولة أفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه واتخذ لكتابته غيره ثم بعث به إلى السّلطان أبي عنان مستمدّا به على الطّاغية ، فلمّا مثل بين يديه تقدّم من وفد معه من الوزراء والفقهاء واستأذن في الإنشاء ، فأذن له ، فأنشد :
خليفة اللّه ساعد القدر * علاك ما لاح في الدّجى قمر
ودافعت عنك كفّ قدرته * ما ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك في النّائبات بدر دجى * لنا وفي المحل كفّك المطر
هامش
( 1 ) ترجمته في : تاريخ ابن خلدون 7 / 342 ، والدرر الكامنة 4 / 88 ، وإنباء الغمر 1 / 129 ، والدليل الشافي 2 / 641 ، ووجيز الكلام 1 / 209 ، وشذرات الذهب 6 / 244 ، واللمحة البدرية 5 .