تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
زال بسلطانه حتى نكبه في شهر رمضان سنة أربع وستين وسجنه ثم غرّبه ، فخلا لابن الخطيب وجه السّلطان وغلب على هواه ودفع إليه تدبير الدّولة وجعل بنيه من ندمائه وأهل خلوته ، فانفرد ابن الخطيب بالحلّ والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلّقت به الآمال وغشي بابه الخاصّة والكافة ، فحسدته بطانة السّلطان وسعوا فيه ، فعزم على التّخلّي عما هو فيه ودسّ إلى سلطان فاس من بني مرين في اللّحاق به وخرج من غرناطة على أنه يتفقّد الثّغور الغربية حتى صاخ جبل الفتح ركب البحر إلى سبتة ودخل فاس سنة ثلاث وسبعين فبالغ السّلطان في إكرامه وبعث في طلب أهله وولده ، فقدموا عليه وأجريت له الرّواتب السّنيّة والإقطاعات له ولبنيه ، فاستكثر من شراء الضّياع وتأنّق في بناء المساكن وغرس البساتين . فمكر له عداه بالأندلس وأثبتوا على القاضي كلمات منسوبة إلى الزّندقة ضبطوها عليه ، فسجّل بثبوت زندقته وحكم بإراقة دمه وأرسل بها إلى السّلطان عبد العزيز ليقتله بمقتضاها ، فامتنع وقال : هلّا انتقمتم منه وهو عندكم . وأنتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري . فلمّا مات السّلطان اختصّ ابن الخطيب بعده بالوزير أبي بكر بن غازي فلم يقدر عليه إلى أن تسلطن أبو العباس أحمد قبض عليه بإغراء سليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر ، وسجن فبعث ابن الأحمر وزيره أبا عبد اللّه بن زمرك فأخرج ابن الخطيب وعرض عليه في مجلس السّلطان أبي العباس كلمات وقعت له في كتابة فوبّخ ونكّل وامتحن بالعذاب بمشهد الملأ ثم أعيد إلى الحبس واشتوروا في قتله بمقتضى المقالات المسجّلة عليه وأفتى فيه بعض الفقهاء بالقتل ، فدسّ سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله فطرقوا السّجن ليلا ومعهم عدة من الغرماء الذين جاءوا في لفيف الخدم مع رسل ابن الأحمر وقتلوه خنقا في محبسه وأخرجوا رمّته من الغد فدفنت فأصبح من غد دفنه طريحا على