ورأي ، وترك الحزم ووثق به وعوّل عليه ، وأصبح من الغد وقد تغيّر على الوزير وقال : ارجع عني إلى بلادك فإنّ عرب بلادي قد أتوني ولا لي بك ولا بمن معك حاجة ، فراجعه الوزير في ذلك وقال : كيف أتركك في أيدي أعدائك وأسلّمك لهم وأتخلّى عنك ، وهو يأبى إلا مفارقته له ورحيله عنه ، فلما أعياه أمره قال : إني أخاف من سلطاني أن يقتلني إذا جئت إليه وقد تركتك ، فإن كنت ولا بدّ تطردني عنك فاطلب قاضي الجزائر بركات بن محرز وأربعة من عدوله وأشهد عليك بأنّك لا حاجة لك بي ولا بمن معي وقد أمرتنا بالانصراف عنك وعودنا إلى فاس ، فأجاب إلى ذلك وطلب القاضي وعدوله فشهدوا عليه بذلك وأثبتوه على القاضي وكتب خطّه في الإشهاد ، وكتب أيضا إلى السّلطان بفاس وإلى وزيره بمعنى ذلك ، وناولها الوزير فأخذ أصحابه وسار بهم عنه عائدا إلى فاس .
وكان أبو عبد اللّه في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه ، وأخذه المرابط أبو صنعون وقد بعث سرّا يعرّف السّلطان أبا فارس بأمره ، فأمر عند ذلك جميع من معه من العربان بالمصير إلى أبي عبد اللّه ليخدعه بذلك ، فما وصل إلى بسكرة حتى تلقّته عامة عربان إفريقية ، فانخدع وظنهم في طاعته ، فساروا به حتى نزلوا في نحو مرحلة من معسكر السّلطان ، فلما جنّهم الليل رحلوا بأجمعهم عنه عائدين إلى السّلطان ، فأصبح ولا واحد منهم عنده ، فندم إذ لم يقبل رأي الوزير وتحقّق أنّه هالك ، فكتب إلى السّلطان يوصيه بأولاده وحرمه وأهله وأنّه بعد اليوم لا يخرج عليه أبدا ما بقي وطلب نجاة نفسه ، فسار في خمسة عشر فارسا من إخوته وخدمه ومعه دليل يخبر تلك الأرض ، وجدّ في مسيره ثلاثة أيام بلياليها لا ينزل عن جواده ، ثم نزل على بئر الكاهنة من الصّحراء وقد أعيا ، فحذّره الدليل من نزوله على الماء وأعلمه بقرب الجبل الذي يمتنع به ورغّبه في المسير إليه ، فلم يصغ لقوله ونام ، وكان السّلطان أبو فارس لما عادت العربان إليه وأعلمته بأنّها تركت أبا عبد اللّه مع حرمه بلا مانع
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 246
مساهمون: المقريزي
ص٢٤٦