تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
إفريقية بدخولهم في طاعته وفرحهم بقدومه ، وأنّهم يبذلون أنفسهم وأموالهم في محاربة عدوه ونحو ذلك ، فلما أحكم معه ما يريد من ذلك تركه إلى الغد حتى اجتمع الناس في الخدمة على العادة وفيهم المرابط ، أخذ السّلطان يجفوه ويغلظ عليه في القول حتى خرج عن الحدّ بحضرة الملأ ، فقام كأنّه غضبان وسار عنه وقد أظهر الخلاف وأعلن به وقصد جهة أبي عبد اللّه وكان لا يمرّ بقرية إلا نهبها ولا ينزل بحي من أحياء العرب إلا جهر بمخالفة السّلطان وأخذ منه ما أراد ، وإذا صدف قافلة اجتاحها حتى قدم على أبي عبد اللّه بوطأة حمزة وقد اشتهر خبر عصيانه ومخامرته ، فعند ما لقيه صاح : الثأر الثأر ، يشير إلى ما كان بينه وبين السّلطان أبي فارس من الحروب التي ذكرت في ترجمته ، ودفع إليه الكتب على ألسنه العرب ووعده من نفسه ومنهم بالقيام معه ، فمشت حيلته على أبي عبد اللّه وسرّ بمقدمه ثم خلا بالوزير يوسف واستشاره في أمر المرابط وكان قد كتب هو والوزير إلى صاحب فاس بأخذهم بجاية وطلبوا منه مالا ، فأشار عليه الوزير أن يتمهّل حتى يعود الجواب من السّلطان بفاس فيعتمد ما فيه ولم يرفع بأبي صنعون رأسا ولا عوّل على كلامه ، فلم يعجب ذلك أبا عبد اللّه لما أراد اللّه من خذلانه واجتمع بأبي صنعون سرّا وقد مال إليه بكليّته فأخذ في تخذيله بأن قال له : إنّ إقليم إفريقية عظيم لم تزل الملوك تحارب أهله وتقصد أخذه ، وذكر له مجيء السّلطان أبي الحسن إليه من فاس بمائة ألف فارس فما خرج منه إلا هاربا في البحر وأنّ السّلطان أبا عنان قدم إليه من فاس أيضا بمائة ألف فارس فما خرج منه إلا على الصّحراء ، وأتاه السّلطان موسى أبو حمّو من تلمسان فما خرج إلا بحشاشة نفسه ، وأنت فقد جئت بمائة وخمسين فارسا وهزمت عساكره وأنّ العرب لا تأتيك ما دامت مرين معك فإنّ العرب هي التي تقاتل عنك وتنصرك ويبقى الفخر والذّكر لمرين دونها ، فإن أردت أن يأتوك فاصرف من معك من مرين عنك إلى بلادهم وأنا ضامن لك إفريقية كلّها ، فاعتقد أبو عبد اللّه أنّ هذا من أبي صنعون نصيحة