والأحاديث والآثار على نمط كتاب « الحثّ على طلب العلم » لابن الجوزي ، ولكن بينهما بون ظاهر ، والأخير متعقّب ، وكتاب « نهايات الأمنيات في الكلام على حديث الأعمال بالنّيّات » ، وكتاب « طرح الخصاصة بشرح الخلاصة » يعني خلاصة ابن مالك في النّحو سبك فيه النّظم مع النّثر بحيث إن الإنسان يقرؤه فلا يعرف أن فيه نظما ، ويظنّه كتابا مستقلا ، وكتب الخلاصة بالأحمر ، فإذا أراد أحد قراءتها قرأها ولا يذهب عليه منها شيء ، وله أشياء غير ذلك .
وكان غاية في الذّكاء بحيث يفرط به حتى يخرج إلى حدّ يقتدر به على تصريف الباطل حقّا والحقّ باطلا ، ويقدر على التّلاعب بالأكابر ، ويتصرّف بلسانه في الكلام كيف شاء ، ويستعمل نوعا من الكلام يسمّيه سرياقات إذا قصد اختبار أحد في العلم أو أراد أن يتلاعب بعالم ، وهذه السرياقات عبارة عن كلام منسجم تفهم مفرداته وأما تراكيبه فإنها مفردة يتحيّر سامعها فيها ، لأنه يخرج فيها من علم إلى علم حتى يحسب أنه سرد جميع العلوم ، وذلك لاقتداره على الكلام وتنويعه في عدة صور ، وكان رحمه اللّه كثير الإشراف والمواظبة على مطالعة الكتب ، لا يكاد يفوته علم من العلوم إلا ويشارك فيه مشاركة جيّدة ، سواء كان من العلوم العقلية أو العلوم النّقلية ، وله في فنون الجدّ والهزل قوة نسج لا يكاد أن يجارى فيها ، ويغلب عليه الهزل والمجون حتى أنه كان يشهد في قيمة الأملاك بدمشق ، فكتب كتاب قيمة دار ذكر فيه صفاتها وحدودها ، وقدّمه إلى قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم ابن جماعة ليمضي البيع فيه ، فتبيّن له أنه يتلاعب به ، وأن هذه الدّار هي الزّاوية المعروفة بالغزالية من جامع بني أميّة ، فإنه سلك في ذلك طريقة في التّصرّف بأنواع الكلام ، وطلبه ليوقع به ففرّ منه إلى القاهرة .
وهو أحد أفراد الدّنيا الذين أدركتهم ، وقد صحبته مدة طويلة فكان كما يقال :
عجب من عجائب البرّ والبحر * ونوع فرد وشكل غريب