الدين محمد بن عمر ابن العديم لانتمائه حينئذ إلى الأمير شيخ ، وهو مقيم خارج دمشق على حصار الناصر ، فلمّا قتل الناصر واستولى شيخ ونوروز على دمشق ، نقما ذلك على ابن الشحنة وأخرجا عنه ما كان بيده من الوظائف بالقاهرة ، وتوجّه إلى حلب على قضائها ، فأدركه أجله في يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمان مائة عن ست وستين سنة . وقد أفتى ودرّس بحلب ودمشق والقاهرة ، وكان يحبّ الحديث وأهله . ومن شعره « 1 » . . .
ولقد قام رحمه اللّه مقاما يعجز أقرانه عنه ، ويعجب أهل زمانه منه ، وهو أنّ الطّاغية تيمور لنك لمّا هزم عساكر حلب في يوم السبت حادي عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثماني مائة ، وأخذ المدينة بالسّيف فكانت عساكره فيها تقتل وتأسر وتسبي وتنهب إلى أن أخذ القلعة في يوم الثلاثاء تاسع عشره ، وصعد إليها من الغد يوم الأربعاء عشريّه ، وطلب في آخر النّهار علماء حلب وقضاتها ، فلمّا أتوه وفيهم ابن الشّحنة أوقفهم بين يديه ساعة ثم أجلسهم ، وقال لعبد الجبّار بن نعمان الدين الحنفي :
قل لهم : إني سائلهم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهراة وسائر البلاد التي افتتحتها فلم يفصحوا فلا تكونوا مثلهم ولا يجاوبني إلا أعلمكم وأفضلكم وليعرف ما يتكلّم به ، فإني خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وألفة ، ولي في العلم طلب قديم ، فقال له قاضي القضاة بحلب شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي : هذا شيخنا ومدرّس هذه البلاد ومفتيها ، وأشار إلى ابن الشّحنة ، سلوه ، فقال له عبد الجبّار : سلطاننا يقول : إنه بالأمس قتل منّا ومنكم ، فمن الشهيد ، قتيلنا أم قتيلكم ؟ فقال في الحال غير متوقّف ولا متلعثم : هذا سئل عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأجاب عنه وأنا مجيب بما أجاب به سيّدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فألقى عند ذلك تيمور إليه سمعه ونظر إليه نظر من يريد قتله ثم قال
هامش
( 1 ) وجد في حاشية الأصل تعليق نصه : « وجد بعد قوله ومن شعره خمسة أسطر بياض » .