الخزائن وتمكّن من الأمراء والعساكر ببذل الأموال العظيمة لهم حتى دخلوا في طاعته .
وكان جميل الوجه ، رضيّ الأخلاق ، فيه رفق ، وتؤدة مع صدق اللّهجة . فلما وصل في مسيره بالعساكر إلى نهر خجند وجده قد انحلّ بعد جموده في البرد ، فأضمر هناك الأمراء نقض أمره ، وأبدى أحدهم وهو برندق صفحة وجهه ، وطلب الإذن في التّقدّم إلى سمرقند ليبشّر بالسّلطنة ، وقدّر أنه لا يؤذن له ، فيبدي ما في نفسه من العصيان ، فدارى السّلطان خليل الأمر ، وأذن له ، فعبر سيحون بجماعته ، ثم قطع الجسر وأظهر العصيان ، ومضى إلى سمرقند ، فلما وصل السّلطان نهر خجند وجد الجسر مقطوعا ، وبلغه عصيان برندق ، فأمر بالجسر فعقد وعبر بمن معه ، وولّى الأمير خدايداد أعمال ما وراء سيحون وأطراف تركستان وكانت بيده أولا ، فإنّه من جملة رفقاء تيمور في مبدأ أمره ، وله شهرة عظيمة ورياسة ضخمة بتلك الأعمال ، وله ميل كثير إلى سلطان حسين ابن أخت تيمور ، وبينه وبين السّلطان خليل عداوة كبيرة سببها أنّ سلطان خليل كان في أيام جده مع خدايداد ليربيه ، فكان يعامله بجفاء وغلظة ففسد ما بينهما ، وكثرت سعاية المفسدين بينهما برمي الفتن ، فلذلك لم يقدر على أخذه معه ولا على منعه من هذه الأعمال ، فتركه بها ، وسار حتى قرب من سمرقند ، فخرج النّاس بثياب الحداد إلى لقائه ، وهم يبكون ومعهم التّقادم فقبلها منهم ، وممن خرج إليه الأمير برندق ، وقد تدارك فارطه ، فلم يجبه بسوء ، وغالظه مدّة إلى أن ثبتت دولته ، ثم قبض عليه وقتله وأنهب أمواله وهتك حريمه .
وأول ما بدأ به في سمرقند أن دخلها وجده بين يديه في تابوت من الآبنوس وجميع الملوك والأمراء وغيرهم مشاة قد كشفوا رؤوسهم وعليهم ثياب الحداد حتى دفنوه وأقاموا عليه العزاء ، كما ذكر في ترجمته ، ثم مدحه الشّعراء ورثوا جده ، فأجازهم . وأخذ في تمهيد أموره ، وبسط يده بالعطاء حتى أنفد حواصل تيمور ، مع عظم كثرتها ، في
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 67
مساهمون: المقريزي
ص٦٧