ونفوذ أمر القريحة ، واسترسال الطّبع . وأما نظمه فنهض بهذا العهد قدما في ميدان الشّعر ونقده باعتبار أساليبه ، فانثال عليه جوّه ، وهان عليه صعبه ، فأتى منه بكلّ غريبة ، منها قوله يخاطب به السّلطان ملك الغرب ليلة الميدان الكريم من عام اثنين وستين وسبع مائة من قصيدة طويلة « 1 » :
أسرفن في هجري وفي تعذيبي * وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين وقفة ساعة * لوداع مشغوف الفؤاد كثيب
للّه عهد الظّاعنين وغادروا * قلبي رهين صبابة ووجيب
غرّبت ركائبهم ودمعي سافح * فشرقت بعدهم بماء غروب
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم * رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإنني * ماء الملام لديّ غير شريب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى * لولا تذكّر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا * للبدر منهم أو كناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وتردّدت * في عطفها للدّهر أي خطوب
تبلى معاهدها وإنّ عهودها * ليجدّها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الدّيار تعرّضت لمتيّم * هزّته ذكراها إلى التّشبيب
إيه على الصّبر الجميل فإنه * ألوى بدين فؤادي المنهوب
لا أنسنا والدّهر يثني صرفه * ويغض طرفي حاسد ورقيب
والدّار مونقة محاسنها بما * لبست من الأيام كلّ قشيب
يا سائق الأضعان يعتسف الفلا * ويواصل الإسآد بالتأويب « 2 »
متهافتا عن رحل كل مذلّل * نشوان من أين ومسّ لغوب « 3 »
هامش
( 1 ) القصيدة في التعريف 70 - 74 أطول مما هنا .
( 2 ) الإسآد : سير الليل كله ، والتأويب : سير النهار لا تعريج فيه .
( 3 ) الأين : الإعياء ، واللغوب : التعب .