يفي « 1 » ، إنّما حلف علينا ليأتينّا منه شرّ . - وبعثوا إليه : إنّا ناصبون لكم جسرا فأقبلوا .
فأرسل الأشتر إلى عليّ فجاء ونصبوا له الجسر ، فعبرت الأثقال والرجال . ووقف الأشتر في ثلاثة آلاف فارس حتّى لم يبق أحد ، ثمّ عبر آخر الناس ، فلمّا قطع عليّ الفرات سرّح زياد بن النضر وشريح بن هاني في اثني عشر ألفا نحو معاوية . فلقيهم أبو الأعور السلميّ في جند من أهل الشام ، فدعوهم إلى طاعة عليّ فأبوا ، فبعثوا إلى عليّ بذلك ، فأمدّهم بالأشتر وجعله عليهم أميرا وقال له : إيّاك أن تبدأ القوم بقتال ، إلّا أن يبدءوك . فإذا لقيتهم فادعهم ، ولا يجرمنّك شنآنهم « 2 » إلى قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرّة بعد مرّة . واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا ، وقف من أصحابك وسطا ، ولا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد منهم بعد من يهاب البأس ، حتى أقدم عليك ، فإنّي حثيث السير إليك إن شاء اللّه .
وكتب إليهما : أمّا بعد ، فقد أمّرت عليكما مالكا فاسمعا له وأطيعا ، فإنّه ممّن لا يخاف رهقه ولا سقطاته ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ، ولا الإسراع إلى ما البطء عنه أمثل . وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما به الّا تبدأ القوم بقتال .
فسار الأشتر حتى قدم عليهم فكفّ عن قتالهم ، ولم يزالوا متواقفين إلى المساء . فحمل عليهم أبو الأعور السلميّ بمن معه من أهل الشام فثبتوا له واضطربوا ساعة . ثمّ انصرف أهل الشام . واستمرّ القتال ، فقتل منهم عبد اللّه بن المنذر التنوخيّ ،
وأخذ الأشتر يقول : ويحكم ! أروني أبا الأعور ! - وقال لسنان بن مالك النخعيّ : انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة !
فقال : إلى مبارزتك أو إلى مبارزتي ؟
فقال الأشتر : أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي ، إنّه لا يبرز إلّا لذوي الأسنان والأكفاء والشرف ، وأنت ، والحمد للّه ، من ذوي الأكفاء والشرف ، لكنّك حديث السنّ ، وليس يبارز الأحداث ، ولكن ادعه إلى مبارزتي .
[ دعوته أبا الأعور السلميّ للمبارزة ]
فأتاه فنادى : أمّنوني فإنّي رسول ! - فأمّن فجاء إلى أبي الأعور وقال : إنّ الأشتر يدعوك إلى مبارزته . ( قال ) : فسكت عنّي طويلا ثمّ قال : إنّ خفّة الأشتر وسوء رأيه هو [ الذي ] حمله على إجلاء عمّال عثمان من العراق ، وانتزائه عليه يقبّح محاسنه ويجهل حقّه [ . . . ] ومن خفّة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى [ 26 ب ] عثمان في داره وقراره حتّى قتله فيمن قتله فأصبح متّبعا بدمه ، لا حاجة لنا في مبارزته ، اذهب عنّي !
فرجع إلى الأشتر فأخبره ، فقال : لنفسه نظر .
وتواقف الفريقان حتّى حجز بينهما الليل . وباتا متحارسين حتّى أصبحا ، وانصرف أهل الشام .
وقدم عليّ رضي اللّه عنه فسار نحو معاوية ، والأشتر في مقدّمته على أربعة آلاف ، فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الأرض وسعة المنزل وشريعة الماء . فأتاه الأشتر فأزاله عن موضعه . وأقبل معاوية في جميع الفيلق . فلمّا رأى ذلك الأشتر انحاز إلى عليّ ، وغلب معاوية على الماء وحال بين أهل العراق وبين الماء ، فأتى الأشعث بن قيس الكندي عليّا وقال : يا أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم ماء الفرات ، وأنت فينا ومعنا السيوف ؟ خلّ
هامش
( 1 ) في الهامش حاشية : يعني يرجع ، قال تعالى :حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ[ الحجرات : 9 ] . والصحيح : يفي بما أوعدنا به .
( 2 ) أي : لا يحملك بغضهم على أن . . . قال تعالى :وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا[ المائدة : 8 ] .