تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
5 وهمّهم الذي حاموا عليه * من الدنيا ، وهمّي ما أمامي فإن أسلم أعمّهم بحرب * يشيب لهولها رأس الغلام وإن أهلك فقد قدّمت أمرا * أفوز بفلجه يوم الخصام وقد زأروا عليّ وأوعدوني * ومن ذا مات من خوف الكلام ؟
ولمّا أراد عليّ رضي اللّه عنه المسير إلى أهل الشام قام خطيبا ، فقال بعد حمد اللّه : سيروا إلى أعداء السّنن والقرآن ، سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصار ! سيروا إلى عدوّ الإسلام ! سيروا إلى حرب محمّد « 1 » ، وجماع طغام الذين كان إسلامهم خوفا وكرها وطمعا في الأموال ! سيروا [ 25 ب ] إلى المؤلّفة قلوبهم كيما يكفّوا عن المسلمين بأسهم ، فطال واللّه ما صدّوا عن سبيل اللّه وبغوا الإسلام عوجا وتحالفوا على أهله وجعلوا لهم المراصد ووضعوا عليهم المسالح ، ورموهم بالمناسر والكتائب ، وصدّوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عن المسجد الحرام ، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وجدّوا في إطفاء نور اللّه حتى جاء الحقّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون . وأيم اللّه ! ما زلنا لهم على إسلامهم متّهمين ولإحداثهم فيه خائفين حتى نجمت هذه الأمور التي ترون .

[ تثبيته لعليّ على قتال معاوية ]

فقام رجل من بني فزارة يقال له أزبد ، فقال : يا عليّ ، أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم ؟ كلّا واللّه ! إذن لا نفعل ذلك . فقام الأشتر فقال : من هذا ، أيّها الناس ؟ فهرب الفزاريّ واشتدّ الناس على أثره فوطئوه بأرجلهم وضربوه حتى قتل . فلمّا بلغ ذلك عليّ بن أبي طالب ، قال : قتيل عميّة لا يدرى من قتله : ديته من بيت مال المسلمين - وقام الأشتر فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، لا يهدّك ما رأيت ولا يؤيسك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقيّ الخائن . إنّ جميع من ترى من الناس شيعتك ، وليس يرغبون بأنفسهم عن نفسك ولا يحبّون بقاء بعدك . فإن شئت فسر بنا إلى عدوّك . واللّه ما ينجو من الموت من خافه ، ولا يعطى البقاء من أحبّه ، ولا يعيش بالأمل إلّا الشقيّ ، وإنّا لعلى بيّنة من ربّنا أنّ نفسا لن تموت حتى يأتي أجلها . فكيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين ، وقد وثبت طائفة منهم على طائفة من المؤمنين فأسخطوا اللّه وأظلمت بأعمالهم الأرض ، وباعوا أخلاقهم بعرض من الدنيا يسير ؟ فقال عليّ : الطريق مشترك ، والناس في الحقّ سواء ، ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامّة فله ما نوى وقد قضى ما عليه .

[ تهديده لأهل الرقّة العثمانيّة ]

ثمّ نزل فدخل منزله ، فلمّا سار عليّ رضي اللّه عنه من الكوفة يريد الشام ومرّ بالرقّة ، قال لأهله : اجسروا لي جسرا أعبر من هذا المكان إلى الشام . - فأبوا وضمّوا السفن عندهم ، لأنّ جلّ أهلها كانوا عثمانيّة قد فرّوا من الكوفة إلى معاوية ، وتحصّنوا بها ، فنهض عليّ من عندهم ليعبر من جسر منبج وخلّف عليهم الأشتر فناداهم : يا أهل هذا الحصن ، إنّي لأقسم باللّه لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم جسرا حتى يعبر منها ، لأجرّدنّ فيكم السيف ولأقتلنّ مقاتليكم ولأخربنّ أرضكم ولآخذنّ [ 26 أ ] أموالكم « 2 » . فلقي بعضهم بعضا فقالوا : ليس الأشتر
هامش
( 1 ) حرب محمّد ( ص ) أي عدوّه . ( 2 ) الطبريّ 4 / 565 .
المقفى الكبير — صفحة 24 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي