تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
بجيرفت « 1 » من كرمان - وكلّم نصرا مرّة بعد مرّة فأغلظ له حتى أمر بحبسه . فأخرجه غلام له من مجرى ماء وهو متسلّح ، فاجتمعت إليه اليمن وربيعة . فلم يزل نصر يحاربه . ثم انفرد بمحاربته الحرث بن سريج « 2 » بن يزيد المجاشعيّ فقتله الحرث وصلبه نصر بن سيّار وعلّق معه سمكة يعيّره بعمان وصيد السمك . فقام علي بن جديع مقام أبيه فقاتله الحرث بن سريج فقتل الحرث « 3 » . وقيل : إنّ الحرث قاتل جديع بن سعيد فقتله جديع . ثمّ وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحرث بن سريج فقتلوا جديعا . فكان تشاغل نصر بن سيّار بهذه الحروب فرصة انتهزها أبو مسلم . فقوي فيها أمره حتى أظهر دعوته في شعبان سنة تسع وعشرين ومائة ، وكانت من قرب ومن بعد ، وأمر أصحابه بإظهار أمرهم والدفع عن أنفسهم وتجريد السيوف وجهاد أعداء اللّه . فأتاه في ليلة واحدة أهل ستّين قرية . فعقد اللواء الذي بعث به الإمام - ويقال له : الطّلّ - على رمح طوله أربع عشرة ذراعا « 4 » ، وعقد الراية التي بعثها الإمام أيضا - وتدعى « السحاب » - على رمح ارتفاعه ثلاث عشرة ذراعا ، وهو يتلو قول اللّه سبحانه :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
[ الحج : 39 ] . ولبس السواد هو والدعاة ومن أجابهم ، وأشعلوا النيران ، وذلك في ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان [ سنة 129 ] وهو يومئذ بقرية من قرى مرو . فاجتمع الناس إليه في يوم الخميس [ و ] قد استعدّوا . وتأوّل أبو مسلم الطلّ والسحاب بأن السحاب يطبّق [ 69 ب ] الأرض ، فكذلك دعوته تطبّق الأرض ، وأنّ الأرض كما أنها لا تخلو من الطلّ فكذلك لا تخلو من خليفة عبّاسيّ آخر الدهر . وقدمت الدعاة عليه بمن أجاب الدعوة فحصّن قريته وسدّ دروبها . وأتاه سليمان بن كثير في يوم عيد الفطر فصلّى به وبالشيعة ، ونصب له منبرا في عسكره ، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة من غير أذان ولا إقامة وكبّر ستّا تباعا ، ثم قرأ وركع ، وكبّر في الثانية خمسا ، ثم قرأ . وافتتح خطبته بالتكبير وختمها بالقراءة ، على ما رسمه لهم الإمام ، وهو سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخالف بذلك ما أحدثه بنو أميّة من تقديم الخطبة على الصلاة ، ومن تكبيرهم أربعا في الأولى وثلاثا في الثانية بعد القراءة . فلمّا قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة ؛ انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه فأكلوا واستبشروا بنصر اللّه وتأييده . ثم كتب أبو مسلم إلى نصر بن سيّار يدعوه ، وتعاظم في مكاتبته ، فندب نصر لقتاله عسكرا ، فأخرج لهم أبو مسلم طائفة من أصحابه فهزموهم وقتلوا منهم . وكان الكرمانيّ لمّا قتل قام بأمر عسكره ابنه عليّ بن جديع ، وأظهر خلع مروان [ بن محمد ] ، فانضمّ إليه خلق كثير . هذا وقد سار شيبان الصغير ابن عبد العزيز الخارجيّ من سجستان إلى خراسان ، فكتب إليه عليّ ابن الكرمانيّ : إنّك ونحن خالعون لمروان ، فصر إلى التجمّع على محاربة أوليائه أولياء الشيطان .
هامش
( 1 ) جيرفت : من أعيان مدن كرمان ( ياقوت ) . ( 2 ) يدقّق ابن الأثير 4 / 203 : ابن سريج « بالسين المهملة والجيم » . ( 3 ) قتل الحرث وصلب سنة 128 ( الكامل 4 / 294 - الطبري 6 / 2 ) . وفي المخطوط : ابن شريح ، وأخذنا بقراءة الطبريّ ودائرة المعارف الإسلامية ، 3 / 230 ب . ( 4 ) هكذا في المخطوط بتأنيث الذراع . ولعلّها تعامل كجملة الأعضاء المثناة في بدن الإنسان .
المقفى الكبير — صفحة 87 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي