تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
فقدم عليه ووافقه فقاما بحرب نصر بن سيّار ، فازداد بذلك أبو مسلم قوّة إلى قوّته وتمكّنا في بلاد خراسان لاشتغال نصر عنه بما دهمه . ثم إنّ أبا مسلم مال إلى ابن الكرمانيّ وأظهر طاعته وسلّم عليه بالإمرة فانخدع له وركن إليه . فقال له أبو مسلم : إنّه قد قوي أمرك ووهن أمر نصر ، فابعث الآن عمّالك على النواحي . فمشى ذلك عليه « 1 » وبعث ثقاته . فكان إذا بعث برجل إلى ناحية في جماعة ، بعث أبو مسلم إليها مع أحد أصحابه بأضعاف ما بعث ابن الكرمانيّ فيدعون إلى الرضى من آل محمد ، والناس تستجيب لهم حتّى كثف جمع أبي مسلم فانفرد بعسكره . وبعث إلى نصر بن سيّار وإلى عليّ ابن الكرمانيّ يقول لهما : إنّي رجل يدعو إلى الرضا من آل محمد ، ولست أعرض لكم ولا أعين [ 70 أ ] منكم أحدا على صاحبه . فلمّا رأى قوّة أبي مسلم بعث إليه يسأله موادعته وأن يدخل مرو . فاغتنم ذلك ومضى إليها وزوى أصحاب ابن الكرماني وأصحاب نصر عنها فدخلها في ربيع الأوّل سنة ثلاثين ومائة ، وهو يقرأ :
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها
[ القصص : 15 ] . فلمّا تمكّن من مرو واستولى عليها قال نصر : « لا مقام لنا معه لما أرى من إقبال هذا الرجل وإدبار أمرنا » . وبعث إلى ابن الكرمانيّ : « هذا رجل يظهر الميل إليك وإنّما يريد ختلك ، فصالحني » . فصالحه على أن يكون أمرهما واحدا ، وإن حاربه أبو مسلم رجعا إلى ناحية مرو . وكان أبو مسلم يظهر لابن الكرمانيّ إعظاما وإجلالا ، حتى إذا ضبط أمر خراسان ، وغلب أصحابه ودعاته عليها ، ومال الناس إليه من كلّ أوب ، اشتدّ حجابه ، وغلظ أمره واستفحل ، وبعث رسله إلى نصر بن سيّار ، وقد آنسه وبسطه وضمن له أن يكفّ عنه ويقوم بشأنه عند الإمام . وأعلمه أنّ كتابا أتاه من الإمام يعده فيه ويمنّيه ويضمن له الكرامة . وكان رسله لاهز بن قريظ وسليمان بن كثير وعمران بن إسماعيل وداود بن كراز ، وقال لهم : إنّي أريد مشافهته و [ أن ] أقرأ عليه كتاب الإمام . فلمّا أتوه تلا [ 70 ب ]
إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
[ القصص : 20 ] . فتنبّه نصر على ما أراد من تحذيره فقال : « أنا صائر معكم إلى الأمير أبي مسلم » . ودخل بستانا كأنّه يلبس ثيابه ، ثم ركب وابنه وهرب إلى الريّ فمات . وسأل أبو مسلم : « هل أنذره أحد ؟ - فأخبر بتلاوة لاهز الآية . فدعاه وقال : « يا لاهز ، أعصبيّة في الدين ؟ قوما فاضربا عنقه » ، فضربت عنقه . وبعث أبو مسلم إلى ابن الكرمانيّ من قبض عليه وأتاه به فحبسه . وكان أخوه عثمان بن جديع بناحية هراة . فكتب أبو مسلم إلى أبي داود خالد بن إبراهيم في أمره ، فقال له أبو داود : إنّ الأمير أبا مسلم كتب إليّ في عبور النهر لأمر ستعرفه ، فإذا عبرناه خلّيت بينك وبين ما وراء النهر وانصرفت أنا إليه . فمشت حيلته على عثمان ومضى معه ، فقال : « لا يعبر إلّا أصحاب عثمان » . فعدوا حتى إذا بقي في نفر وثب به أبو داود فقتله ، وبعث برأسه إلى أبي مسلم . فأخرج عند ذلك عليّا وقتله . وكان قد وادع شيبان إلى مدّة ، فوجّه له جيشا فواقعوه فكشفوه . وصار إلى ناحية أبيورد ، وأهلها أوّل من سوّد . فكتب إليه أبو مسلم أن بايع للرضي من آل محمد حتى لا أعرض لك . فبعث إليه : بل بايعني [ 71 أ ] أنت .
هامش
( 1 ) هذا التعبير من كلام المقريزي ، لا من منقوله .