تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
في خيل كثيفة تحتفظ به ، فإذا وافى إلى ما قبله أنفذه إليه مع من يقوم بحفظه وحراسته . فأتي إبراهيم وهو في مسجد القرية فأخذ ولفّ رأسه وحمل إلى دمشق فأنفذه الوليد بن معاوية إلى مروان . وكان معه عدّة من أهله قد شيّعوه ، فيهم عبد اللّه بن عليّ ، وعيسى بن علي ، وعيسى بن موسى ، فانصرفوا من حرّان . ووبّخ مروان إبراهيم حني أدخل إليه فاشتدّ لسان إبراهيم عليه فيما [ 68 أ ] خاطبه به . وقال له مروان : أيرجو مثلك أن ينال الخلافة ؟ فقال : رجوتها وقلّدتها ، وأنت ابن طريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولعينه ، ولا أرجوها ، وأنا ابن عمّه ووليّه ؟ ولقد علمنا أنّ الذي يذكر من بغضك بني هاشم ومن شرفوا حقّ . فأمر به إلى الحبس فحبس بحرّان في سجنها ، وكان فيه عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز . ثم بعث مروان في بعض الليالي حاجبه صقلاب ، ومعه عشرون من مواليه ، خزر وصقالبة وروم ، إلى السجن ، ومعهم صاحب السجن ففتح لهم فدخلوا ثم خرجوا ، فأصبح إبراهيم وعبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز ميّتين . فقيل : ديست بطونهما . ويقال : عمّا . ويقال : سمّا . ويقال : عصر ما تحت سراويليهما حتى ماتا . وقال الهيثم بن عديّ « 1 » : عمّ إبراهيم الإمام في جراب نورة « 2 » وعمّ الآخر بمرفقة فيها ريش . وكان مهلهل مولاه يقول : كنت أخدمه وهو محبوس بحرّان وأشتري حوائجه ، وكان شراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك محبوسا في حجرة غير حجرة إبراهيم التي كان محبوسا بها ، وكان صديقا لإبراهيم فكانا يتلاطفان ويتهاديان في محبسهما . فأتي إبراهيم بلبن مسموم - أو غير لبن - وقيل له : بعث إليك بهذا أخوك شراحيل - ولم يكن شراحيل بعث به ، فشربه فتوفّي ، وأنا الذي صلّيت عليه . وقيل إنّه أخرج فوضع على باب السجن فأخذه رجل من بني سهم فكفّنه وصلّى عليه ودفنه . ويقال : كان أبو العبّاس عبد اللّه بن محمد [ بن عليّ ] أشبه بأخيه إبراهيم الإمام . فلمّا جاء الرسول لحمل إبراهيم وجد إبراهيم متغيّبا فأخذ أبا العبّاس . فلمّا علم إبراهيم بأخذه قال : « ما من الموت مفرّ ولا لأمر اللّه مدفع » . فخرج فقال للرسول : « أنا بغيتك فخلّ عن أخي » . فحمله . وكان لإبراهيم يوم مات تسع وأربعون سنة . وقيل : أربع وثلاثون سنة . وهرب أبو العبّاس بعد مقتل إبراهيم إلى الكوفة ومعه أهل بيته . فأخفاهم أبو سلمة الداعية في سرداب في دار بني أود حتى قدم المسوّدة . فكان يقال : ما رأى الناس أبعد همّا ولا أكبر نفسا من قوم خرجوا على تلك الحال يطلبون الخلافة . وقال الهيثم بن عديّ : لمّا وقعت العصبيّة بخراسان ، وتحرّك أمر الدعاة ، كتب إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم [ الرجز ] :
دونك أمرا قد بدت أشراطه * لم يبق إلّا السيف واختراطه إنّ السبيل واضح صراطه
وكان يدعو في [ 68 ب ] حبسه : اللهم ربّ السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة ، وربّ العرش العظيم ، والآيات والذكر الحكيم ، صلّ على نبيّك ونجيّك محمد وعلى آله ، وأخلفه
هامش
( 1 ) الهيثم بن عديّ الإخباريّ النسّابة ( ت 207 ) كان مطعونا فيه . الأعلام ، 9 / 114 . ( 2 ) يضيف المسعودي : مروج 4 / 85 : مسحوقة . والنورة هي الجير . وعمّه : لفّ رأسه في خرقة كالعمامة حتى لا بتنفّس
المقفى الكبير — صفحة 85 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي