يسلّم زياد عليه . فقال له ابن عبّاس : ما هذا الهجران يا أبا المغيرة ؟
فقال : ما ههنا بحمد اللّه سوء ولا هجران ، ولكنّه مجلس لا يقضى فيه إلّا حقّ أمير المؤمنين وحده .
وعن ابن شهاب قال : وفد أبو أيّوب الأنصاري رضي اللّه عنه على معاوية ، فقضى حوائجه . ثم قال له أبو أيّوب : يا أمير المؤمنين ، لي مال ولا غلمان فيه ، فأعطني مالا أشتري به غلمانا .
فقال : ألم أعطك لوفادتك ، وأقض « 1 » حوائجك في خاصّتك [ 210 أ ] وعامّتك ؟
قال : بلى .
قال : فما عندي شيء سوى ذلك .
فقال أبو أيّوب : إلّا تفعل يا معاوية ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لنا : إنّكم ستلقون بعدي أثرة يا معاشر الأنصار ، فاصبروا حتّى تلقوني .
قال : فاصبر يا أبا أيّوب .
قال : أقلتها يا معاوية ؟ واللّه لا أسألك بعدها شيئا أبدا !
وبلغ ابن عبّاس قول معاوية ، وهو يومئذ وافد عليه ، وقد تيسّر للخروج . فأعطى أبا أيّوب قيمة مائة مملوك ، وأعطاه جميع ما كان في داره ، ثمّ شخص .
وسعى ساع إلى ابن عبّاس برجل فقال : إن شئت نظرنا فيما قلت : فإن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن كنت صادقا مقتناك . وإن أحببت أقلناك .
قال : هذه .
وقال مجاهد : كان عبد اللّه بن عبّاس أمدّهم قامة ، وأعظمهم جفنة ، وأوسعهم علما . ولو أشاء أن أبكي كلّما ذكرته بكيت .
ولمّا أخرج عبد اللّه بن الزبير محمد بن الحنفيّة
عن مكّة ، أغلظ له ابن عبّاس وقال له : أتخرج بني عبد المطّلب عن حرم اللّه ، وهم أحقّ به منك ؟
فقال : وأنت أيضا ، فالحق به !
فخرج إلى الطائف فمات بها .
[ صفة ابن عبّاس ]
وأوصى ابنه عليّا بإتيان الشام والتنحّي عن سلطان ابن الزبير إلى سلطان عبد الملك بن مروان ، فكان عبد الملك يحفظ له ذلك . وسكن عليّ دمشق وابتنى بها دارا ، ثم صار وولده إلى الحميمة وكداد من عمل دمشق .
وقال معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة :
كان عبد اللّه بن عبّاس مديد القامة ، جيّد الهامة ، مستدير الوجه جميله ، أبيض وليس بالمفرط البياض ، سبط اللحية ، في أنفه قنا ، معتدل الجسم . وكان أحسن الناس عينا قبل أن يكفّ بصره . وكفّ قبل موته بستّ سنين أو نحوها .
وتوفّي بالطائف . وقال الواقدي : فنزل في قبره وتولّى دفنه عليّ بن عبد اللّه ، ومحمّد بن الحنفيّة ، والعبّاس بن محمد بن عبد اللّه بن العبّاس ، وصفوان ، وكريب ، وعكرمة ، وأبو معبد ، مواليه .
وكان يخضب بالحنّاء ثمّ صفر .
وقال عمران بن أبي عطاء : أدخل ابن الحنفيّة ابن عبّاس قبره معترضا ، وصلّى عليه فكبّر أربعا « 1 * » ، وضرب على قبره فسطاطا ثلاثة أيّام .
ومات سنة ثمان وستّين ، وهو ابن إحدى وسبعين [ 210 ب ] سنة وأشهر ، أو ابن اثنتين وسبعين سنة - وقيل : كان عمره سبعين سنة - والأوّل أثبت . وكان مرضه ثمانية أيّام .
وسمع محمد بن الحنفيّة يقول في جنازته :
هامش
( 1 ) في المخطوط : وأقضي .
( 1 * ) لم يكبّر خمسا كما يفعل الشيعة . وانظر أعلاه ص 169 ه 1 .