وقال ابن عبّاس : إنّ لكلّ داخل دهشة « 1 » فانسوه بالتحيّة !
وكان ابن عبّاس جالسا فجاءه سائل فسأله .
فقال : ألست مسلما تصلّي وتصوم ؟
فقال : نعم .
فقال : إنّ مؤاساتك لواجبة !
ونزع ثوبه فألقاه عليه .
وقال شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل « 2 » : حجّ معاوية فوافق ابن عبّاس فرآه يستلم الأركان كلّها .
فقال معاوية : إنّما استلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الركنين .
فقال ابن عبّاس : إنّه ليس من أركانه شيء مهجور .
وقال الأعمش « 3 » عن الضحّاك عن ابن عبّاس :
منّا المهديّ والمنصور والسفّاح .
وقال عبّاس بن هشام الكلبيّ : كنت أنا وعكرمة عند ابن عبّاس وليس عنده أحد غيرنا . فأقبل الحسن والحسين رضي اللّه عنهما ، فسلّما عليه ثم ذهبا . فقال : إنّ هذين يزعمان أنّ المهديّ من ولدهما . ألا وإنّ السفّاح والمنصور من ولدي !
وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد : سمعت ابن عبّاس يقول : إنّي لأرجو أن لا تذهب الأيّام والليالي حتّى يكون منّا أهل البيت من يقيم أمرها : شابّ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، لم يلبس الفتن ولم تلبسه . وأرجو أن يختم هذا الأمر بنا .
( قال ) فقلت : أعجز عنه شيوخكم وترجونه لشبابكم ؟
قال : يفعل اللّه ما يشاء .
وقال ابن عبّاس : أشهى السلام إليّ البركات .
وقال الحسن بن عليّ الحرمازيّ عن العتبي « 1 * » عن أبيه أنّ رجلا قال لعبد اللّه بن عبّاس : بماذا عرفت ربّك ؟
فقال : ويلك ! من طلب الدين بالقياس لم يزل الدهر في التباس ، مائلا عن المنهاج ، ظاعنا في الاعوجاج ! أعرفه بما عرّف به نفسه من غير رؤية ، وأصفه بما وصف به نفسه من غير [ 208 ب ] صورة ، لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالناس ، حيّ في ديمومته ، لا يجور في أقضيته ، يعلم ما هم عالمون ، وما هم إليه صائرون ، فتبارك اللّه الذي سبق كلّ شيء علمه ، ونفذت في كلّ شيء مشيئته !
[ ملاحاة أخرى بين ابن عبّاس وعبد اللّه بن الزبير ]
وقال أبو مخنف : لمّا نزل ابن عبّاس الطائف حين نافره ابن الزبير كان صلحاء الطائف يجتمعون إليه ، ويأتيه أبناء السبيل يسألونه ويستفتونه فكان يتكلّم في كلّ يوم بكلام لا يدعه ، وهو : الحمد للّه الذي هدانا للإسلام ، وعلّمنا القرآن ، وأكرمنا بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فانتأشنا « 2 * » به من الهلكة وأنقذنا من الضلالة ، فأفضل الأئمّة أحسنها لسنّته اتّباعا وأعملها بما في كتابه احتسابا . وقد عمل بكتاب ربّكم وسنّة نبيّكم قوم صالحون ، على اللّه جزاؤهم ، وهلكوا فلم يدعوا بعدهم مثلهم ولا موازيا لهم ، وبقي قوم يريغون الدنيا بعمل الآخرة ، يلبسون جلود الضأن لتحسبوهم من الزاهدين ، يرضونكم بظاهرهم ويسخطون اللّه بسرائرهم ، إذا عاهدوا لم يوفوا ، وإذا حكموا لم
هامش
( 1 ) أو برقة : مجمع الأمثال 3298 .
( 2 ) أبو الطفيل ( عامر بن وائلة الكناني ، صحابيّ ) - المعارف ، 741 .
( 3 ) الأعمش ( سليمان بن مهران ) - الأعلام ، 3 / 198 ( ت 148 ) .
( 1 * ) العتبيّ ( محمد بن عبيد اللّه - ت 228 ) : إخباريّ - المعارف 538 . والحرمازي مذكور في المعارف ، 308 .
( 2 * ) انتأشه : انتزعه ( اللسان ) .