تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
يعدلوا ، يرون الغدر حزما ، ونقض العهد مكيدة ويمنعون الحقوق أهلها . فنسأل اللّه أن يهلك شرار هذه الأمّة ويولي أمورها خيارها وأبرارها . فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إليه : بلغني أنّك تجلس العصرين فتفتي بالجهل وتعيب أهل البرّ والفضل وأظنّ حلمي عنك واستدامتي إيّاك جرّأك عليّ ، فاكفف عنّي من غربك واربع على ظلعك وارع على نفسك « 1 » . فكتب إليه ابن عبّاس : فهمت كتابك . وإنّما يفتي بالجهل من لم يؤت من العلم شيئا ، وقد آتاني اللّه منه ما لم يؤته أباك . وزعمت أنّ حلمك عنّي جرّأني عليك ، فهذه أحاديث الضبع استها « 2 » . فمتى كنت لعرامك هائبا وعن حدّك ناكلا ؟ ثم تقول إنّي إذا لم أنته وجدت جانبك خشنا ووجدتك إلى مكروهي عجلا . فما أكثر ما طرت إلى شقة من الجهل ، وتعمّدتني بفاقرة من المكروه فلم تضرر إلّا نفسك ، فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت ، ولا أرعى عليك إن أرعيت ! فو اللّه لا انتهيت عن [ 209 أ ] إرضاء اللّه بإسخاطك ! وقال عبد الرحمن بن السائب عن ابن عبّاس أنّه قال : أكرم الناس عليّ جليسي : إنّ الذباب ليقع عليه فيشقّ ذلك عليّ . وقال ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس أنّه قال : أكرم الناس عليّ جليسى . أو قال : رجل تخطّى رقاب الناس حتى جلس إليّ . وقال عمرو بن دينار : قال ابن عبّاس : لجليسي عندي ثلاث : إذا أقبل رحّبت به ، وإذا قعد أوسعت له ، وإذا تحدّث أنصتت لحديثه واستمعت منه . وقال ابن مليكة : قال عبد اللّه بن عبّاس : ثلاثة لا أقدر على مكافأتهم : رجل جئت ظمآن فسقاني ، ورجل ضاق بي مجلسي فأوسع لي ، ورجل اغبرّت قدماه في الاختلاف إلى بابي . ورابع هو أعظمهم حقّا عليّ : رجل بات ساهرا يعرض الناس على نفسه فأصبح لا يجد له في حاجته معتمدا سواي « 1 * » . وعن عطاء : كنّا نأتي ابن عبّاس فيؤتى بغدائه فأقول : إنّي صائم ، فما يزال يقسم عليّ حتّى أدنو فأتغدّى معه . وقال القاسم بن محمد : ما رأيت في مجلس ابن عبّاس باطلا قطّ . وكان الرجل يأتي مجلس ابن عبّاس ، وقد انتعل ليقوم ، فيخلع نعليه ، فيقول له الرجل : « لا يحبسك مكاني ، يا أبا العبّاس ! » فيقول : ما أنا بقائم حتّى أحدّثك وتحدّثني فأسمع منك . وعن عكرمة أنّه قال : إنّا مع ابن عبّاس يوم عرفة إذا فتية يحملون فتى معروق الوجه ناحل البدن ، فوضعوه بين يدي ابن عبّاس وقالوا : استشف له ، يا ابن عمّ رسول اللّه . فقال : ما به ؟ فأنشده [ الطويل ] :
بنا من جوى الأحزان والوجد لوعة * تكاد لها نفس الشّفيق تذوب « 2 * » ولكنّما أبقى حشاشة معول * على ما به عود هناك صليب
ثمّ حملوه فخفت في أيديهم فمات . وسأل ابن عبّاس عنه فقيل : هذا عروة بن حزام العذري صاحب عفراء . فقال ابن عبّاس : « هذا قتيل الحبّ
هامش
( 1 ) حاشية : اربع على ظلعك : ارفق بنفسك فيما تحاوله . وقيل : لا يربع على ظلعك من يحزنه أمرك . ( 2 ) أحاديث الضبع استها مثل يضرب للمحلّط في كلامه : مجمع 1057 واللسان في سته . ( 1 * ) عيون الأخبار 3 / 176 ، مع اختلاف . ( 2 * ) الأغاني 23 / 116 : بنا من جوى الأحزان في الصدر . . .