تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
صعوبة الأمر فعذره القوم وخرجوا . وألحّ عليه ابن عبّاس فو اللّه ما وجد بدّا من قضاء حاجتنا . فخرجنا حتّى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية . فصحت وأنا أسمعهم : إنّه واللّه كان أولاكم بها ! إنّه واللّه صبابة النبوّة ووراثة أحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتهذيب أعراقه ، وانتزاع شبه طبائعه ! فقال القوم : أجمل ! أجمل يا حسّان ! فقال له ابن عبّاس : صدقوا فأجمل ! فأنشأ حسّان يمدح ابن عبّاس فقال :
إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه * رأيت له في كلّ مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل * بملتقطات لا ترى بينها فصلا [ 206 ب ] كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع * لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة * فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا 5 خلقت حليفا للمروءة والنّدى * بليجا ولم تخلق كهاما ولا جبلا « 1 »
فقال الوالي : واللّه ما أراد بالكهام والجبل غيري ، فاللّه بيني وبينه . وقال عطاء عن ابن عبّاس : المعروف أوثق الحصون ، وأرشد الأمور ، ولن يصلح المعروف إلّا بتعجيله وستره وتصغيره ، فإنّك إذا عجّلته هنّأته ، وإذا سترته أتممته ، وإذا صغّرته عظّمته ، وإذا مطلته نكّدته ونغّصته . وقال عبد اللّه بن بريدة عن كعب الأحبار « 1 * » أنّه كان عند معاوية ، فقرأ معاوية : في عين حامية ، فقال كعب :
فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[ الكهف : 86 ] ، فلم يقبل منه وقال : عليّ بابن عبّاس ! فلمّا جاء قال : كيف تقرءونها ؟ فوافق كعبا ، فلم يرجع معاوية ، فغضب كعب ، فقال ابن عبّاس : لا تغضب يا كعب ، فإنّك من الذين أوتوا الكتاب ، تؤمن به . ومعاوية من الأحزاب ينكر بعضه . فقال معاوية : أمشاتمي أنت يا ابن عبّاس ؟ قال : إن شئت . قال : قد شئت . فقال : لولا البيعة التي لك عندي ، ولولا السلطان لفعلت . قال : فلا بيعة لي عليك ولا سلطان ، فقل ! قال : بل أجلّك يا أمير المؤمنين وأكرمك . فسكن بعض غضبه ، ثم قام إلى الصلاة وقال : أطبق المصحف يا غلام ، فإنّي ما أرى الحرف إلّا كما قالا . ولمّا أنكر الخوارج [ 207 أ ] على عليّ ، رضي اللّه عنه ، تحكيم الحكمين وانحازوا عنه ، خرج إليهم ابن عبّاس ، فقالوا : مرحبا بك يا ابن عبّاس ، ما جاء بك ؟ « 2 * »

[ جدال بين ابن عبّاس والخوارج ]

قال : جئت لأخباركم عن أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فليس فيكم رجل منهم . فقال بعضهم لبعض : لا تخاصموه ، فإنّ اللّه
هامش
( 1 ) في ديوان حسّان ، 359 لا ذكر للبيت الأوّل ولا للبيت الخامس . والبليج من الرجال : الطلق الوجه . والكهام : الضعيف البطيء . والجبل : البخيل . ( 1 * ) كعب الأحبار توفّي سنة 32 ومعاوية صار خليفة بعد سنة 40 . وربّما جالسه حين كان واليا على الشام . ( 2 * ) العقد 2 / 389 .