العدل من حكّام المسلمين فأفرح به ، ولعلّي لا أقاضى إليه أبدا .
وإنّي لأسمع بالغيث يصيب بلدا من بلدان المسلمين فأفرح به وما لي بالبلد سائمة .
وإنّي لآتي على الآية من كتاب اللّه فأودّ أنّ الناس جميعا يعلمون منها ما أعلم .
وقال أبو رجاء العطارديّ « 1 » : رأيت هذا المكان من ابن عبّاس مثل الشراك البالي من الدموع - ووضع أبو رجاء يده عليه - يعني مجرى الدموع .
وعن إبراهيم التيميّ « 2 » قال : خلا عمر بن الخطّاب يوما يفكّر كيف تختلف الأمّة ونبيّها واحد ، وقبلتها واحدة ، وكتابها واحد ؟ فدعا ابن عبّاس وسأله عن ذلك فقال ابن عبّاس : أنزل القرآن علينا فقرأناه وعلمنا فيما نزل ، وسيكون بعدنا أقوام يقرءونه ولا يدرون فيما نزل فيكون لهم فيه رأي فإذا كان ذلك اختلفوا . فزبره عمر . ثم إنّه أرسل إليه فقال : « أعد عليّ قولك » ، فأعاده ، فعرف عمر صوابه وأعجبه .
وعن الق [ ا ] سم بن عوف الشيبانيّ أنّ عبد اللّه بن عبّاس قال لكعب الأحبار : إنّي سائلك عن أشياء فلا تحدّثني بما حرّف من الكتاب ، ولا بأحاديث الرجال . وإن لم تعلم فقل : لا أعلم ، فإنّه أعلم لك .
وقال الق [ ا ] سم بن سلّام : ثنا محمد بن رجاء الواسطيّ : ثنا ابن ثوبان عمّن سمع الضحّاك « 3 » يحدّث عن ابن عبّاس أنّه قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : حدّث إذا حدّثت ، إلّا أن تجد قوما
تحدّثهم بشيء لا تضبطه عقولهم ، فيكون ذلك فتنة لبعضهم . ( قال ) وكان ابن عبّاس يخفي أشياء ويفشيها إلى أهل العلم .
وقال ابن أبي مليكة : سافرت مع ابن عبّاس ، فكان يسير النهار وينزل الليل فيقوم فيصلّي في نصف الليل يقرأ القرآن ، فيكثر أن يقرأ :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
[ ق : 21 ] ثمّ يبكي حتّى نسمع له نشيجا .
وقال عطاء عن ابن عبّاس : لو أخبر الناس ببعض تأويل القرآن لرجموني بالحجارة .
وقال ابن جريج : قال لي ابن أبي مليكة : جاء ابن الزبير مال أوّل ما جاءه . فانطلق ابن عبّاس إليه ، وهو في قعيقعان فقال : إنّك قد دعوت الناس إلى ما قد علمت ، وقد جاءك مال وبالناس حاجة .
[ 204 ب ] فقال ابن الزبير : وما أنت وهذا ؟ إنّك أعمى ، أعمى اللّه قلبك .
فقال ابن عبّاس : بل أعمى اللّه قلبك .
قال ابن الزبير : واللّه ما أنت بفقيه .
قال ابن عبّاس : واللّه لأنا أفقه منك ومن أبيك .
فلمّا خرج قال لقائده : من عنده ؟
قال : ابنته وامرأته .
قال : فهلّا أخبرتني ؟ فو اللّه لو علمت ما أسمعتهما شتمه . ( قال ) ثمّ أرسل إليه ابن الزبير أبا قيس الزرقي بأنّا لسنا بأوّل ابني عمّ استبّا ، فاكفف عنّي وأكفّ عنك .
قال ابن عبّاس : إن كفّ كففت ، وإن أذاع أذعت .
قال ابن جريج : قال ابن أبي مليكة : وكان بينهما شيء . فغدوت على ابن عبّاس فقلت : أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحلّ حرم اللّه ؟
هامش
( 1 ) أبو رجاء العطارديّ ( ت 117 عن 128 سنة ) - المعارف ، 427 .
( 2 ) قال ابن قتيبة ( المعارف 625 ) : من المرجئة .
( 3 ) الضحّاك بن مزاحم ( ت 102 ) - المعارف 457 .