فقال : معاذ اللّه ! إنّ اللّه كتب بني أميّة وابن الزبير محلّين « 1 » وإنّي واللّه لا أحلّه أبدا . قال الناس : بايع لابن الزبير ! فقلت : وأنّى بهذا الأمر عنه ؟ أمّا أبوه فحواريّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأمّا جدّه فصاحب الغار - يعني أبا بكر رضي اللّه عنه - وأمّا أمّه فذات النطاقين . وأمّا خالته فعائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها . وأمّا عمّته فخديجة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وأمّا عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صفيّة فجدّته .
ثم عفيف في الإسلام قارئ القرآن ، واللّه لأحاسبنّ نفسي له محاسبة ما حاسبتها لأبي بكر وعمر ، رضي اللّه عنهما . إنّ ابن أبي العاصي برز يمشي القدميّة - يعني عبد الملك بن مروان - وإنّه لوى دينه - يعني ابن الزبير .
وعن الشعبي « 2 » أنّ ابن الزبير قال لابن عبّاس :
قاتلت أمّ المؤمنين وحواريّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأفتيت بتزويج المتعة .
فقال : أمّا أمّ المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك ، وبنا سمّيت أمّ المؤمنين ، وكنّا لها خير بنين ، فتجاوز اللّه عنها !
وقاتلت أنت وأبوك عليّا ، فإن كان عليّ مؤمنا فقد ضللتم بقتال المؤمنين . وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من اللّه لفراركم من الزحف .
وأمّا المتعة فإنّه بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رخّص فيها وأنّ أوّل مجمر « 3 » سطع في المتعة « 4 »
لمجمر في آل الزبير .
[ بين ابن عبّاس وابن الزبير ]
وقال هشام الكلبي عن أبي مخنف « 1 * » وعوانة قالا : قال عبد اللّه بن الزبير يوما ، وهو على منبر مكّة ، وابن عبّاس حاضر : إنّ ههنا رجلا أعمى اللّه قلبه [ 205 أ ] كما أعمى بصره ، يزعم أنّ متعة النساء حلال من اللّه ورسوله ، يفتي في القملة والنملة ، وقد حمل ما في بيت مال البصرة وترك أهلها يرضخون النوى . وكيف يلام على ذلك ، وقد قاتل أمير المؤمنين وحواريّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن وقاه بيده - يعني طلحة رضي اللّه عنه ؟
فقال ابن عبّاس لقائده سعيد بن جبير : « استقبل بي ابن الزبير ! » ثم حسر عن ذراعيه وقال : يا ابن الزبير [ الرجز ] :
إنّا إذا ما فئة نلقاها * نردّ أولاها على أخراها
حتّى تصير ضرعا دعواها * قد أنصف القارة من راماها « 2 * »
يا ابن الزبير ، أمّا العمى فإنّ اللّه يقول :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج ، 46 ] .
وأمّا فتياي في النملة والقملة فإنّ فيهما حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك .
وأمّا حمل مال البصرة فإنّه كان مالا جبيناه ثمّ أعطينا كلّ ذي حقّ حقّه ، وبقيت بقيّة هي دون حقّنا في كتاب اللّه وسهامه ، فأخذناه بحقّنا .
هامش
( 1 ) كان ابن الزبير يدعى « المحلّ » لإحلاله القتال في الحرم ( العقد 4 / 413 ) .
( 2 ) العقد 4 / 14 . والشعبيّ إمّا عامر بن شراحيل ( ت 105 ) المعارف 449 ، أو الحسن بن إبراهيم القاضي ( مروج 1347 ، 1352 ) .
( 3 ) المجمر : هو الذي يتبخّر به ، ويعدّ له الجمر ويوضع فيه البخور ( اللسان : جمر ) .
( 4 ) في العقد 4 / 14 والمروج 1953 : يريد متعة الحجّ لا متعة النساء .
( 1 * ) في المخطوط : أبي مخنقة . وهو أبو مخنف الأزدي ( المعارف 537 ) .
( 2 * ) في المروج 3 / 280 ( 1952 ) : الرجز لرجل من قبيلة القارة ( هامش المحقّق رقم 3 ) . وانظر مجمع الأمثال 2867 وفصل المقال للبكري 205 واللسان ( قور ) .