تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وقال أبو الصلت عبد السلام بن صالح : حبسني المأمون ليلة . فكنّا نتحدّث حتى ذهب من الليل ما ذهب ، وطفئ السراج ونام القيّم الذي كان يصلح السراج . فدعاه فلم يجبه ، وكان نائما . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أصلحه . فقال : لا . فأصلحه هو . ثم انتبه الخادم ، فظننت أنّه يعاقبه لأنّه كان يناديه وهو نائم فلا يجيبه . [ قال ] فتعجّبت منه ، فسمعته يقول : ربّما أكون في المتوضّأ ، فيشتمو [ ن ] ني ويفترون عليّ ولا يدرون أنّي أسمع ، فأعفو عنهم . وقال عبد اللّه بن البوّاب : كان المأمون يحلم ، حتى يغيظنا : فجلس في بعض الأوقات يستاك على دجلة من وراء ستره ، ونحن قيام بين يديه . فمرّ ملّاح وهو يقول بأعلى صوته : « أتظنّون أنّ هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه ؟ » فو اللّه ما زاد على أن تبسّم وقال لنا : ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل ؟ * * * وقال يحيى بن أكثم « 1 » : بتّ ليلة عند المأمون ، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان . فتقلّبت ، فقال : يا يحيى ، ما شأنك ؟ قلت : عطشان واللّه يا أمير المؤمنين . فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء . فقلت : يا أمير المؤمنين ، ألا دعوت بخادم ؟ ألا دعوت بغلام ؟ فقال : لا . حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عقبة بن عامر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : سيّد القوم خادمهم . وفي رواية عن يحيى : بتّ ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل فقمت لأشرب ماء . فرآني فقال : مالك ليس تنام يا يحيى ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنا واللّه عطشان . قال : ارجع إلى موضعك . فقام واللّه إلى البرّادة فجاءني بكوز ماء وقام على رأسي وقال : اشرب يا يحيى ! فقلت : يا أمير المؤمنين ، فهلّا وصيف أو وصيفة تغني ؟ فقال : إنّهم نيام . قلت : فأنا أقوم للشرب . فقال لي : لوم بالرجل أن [ 134 أ ] يستخدم ضيفه . ثمّ قال : يا يحيى ! قلت : لبّيك يا أمير المؤمنين ! قال : ألا أحدّثك ؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين . قال : حدّني الرشيد قال : حدّثني المهدي قال : حدّثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : حدّثني جرير بن عبد اللّه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : سيّد القوم خادمهم . وفي رواية ، قال يحيى : ما رأيت أكرم من المأمون : بتّ عنده ليلة فعطش وقد نمنا . فكره أن يصيح بالغلمان فأنتبه - وكنت منتبها - فرأيته قد قام يمشي قليلا قليلا إلى البرّادة بينه وبينها بعد حتّى شرب ورجع ، ثمّ بتّ عنده ونحن بالشام وما معي أحد . ولم يحملني النوم . فأخذ المأمون فرأيته يسدّ فاه بكمّي قميصه حتّى لا أنتبه . ثم حملني آخر الليل النوم . وكان له وقت يقوم فيه يستاك . فكره أن ينبّهني . فلمّا ضاق الوقت عليه تحرّكت ،
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 10 / 187 - 188 .
المقفى الكبير — صفحة 184 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي