تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
المأمون فاستحسن ذلك ، وأمر بالمزودين ففرّغا وملئا دنانير . * * * وقال أبو عبد الرحمن العتبيّ : جاءني رجل من أصحاب الصنعة فقال : اذكرني لأمير المؤمنين المأمون ، فإنّي أحلّ الطلق « 1 » بين يديه في يوم وبعض آخر . فقلت : يا هذا ، أرح نفسك من العناء واجلس في بيتك ولا تغر أمير المؤمنين منك . قال : فالحلّ عليه حرام - يعني به الطلاق - وما له من قليل أو كثير صدقة لوجه اللّه ، وكلّ مملوك له حرّ إن كان كذبك فيما قال لك ! « 2 » [ قال : ] واللّه ما آخذ منكم شيئا عاجلا . وقد ادّعيت أمرا فامتحنوني فيه ، فإن حاك ما ادّعيت كان الأمر فيّ إليكم . وإن وقع بخلاف ذلك انصرفت إلى منزلي . فأخبرت المأمون بما قال ، فتمثّل ببيت الفرزدق [ الطويل ] :
وقبلك ما أعييت كاسر عينه * زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
ثمّ قال : لعلّ هذا أراد أن يصل إلينا فاحتال بهذه الحيلة . وليس الرأي أن يظهر أحد علينا علما فنظهر الزهد فيه ، فأحضره ! فجئت بالرجل وقعد له المأمون ، وأحضرت له أداة العمل ، فإذا هو بحلّ الطلق أجهل مني بما في السّماء السابعة . فنظر إليّ المأمون وقال : تزعم أنّه حلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ؟ قلت : بلى . قال : فقد حنث . فقلت للرجل ، والمأمون يسمع : ألم تحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما تملك ؟ قال : بلى . قلت : فقد حنثت . قال : ليست لي امرأة . قلت : فالعتاق ؟ قال : وما لي مملوك . قلت : [ 135 ب ] فصدقة ما تملك ؟ قال : ما أملك خيطا ولا مخيطا . قلت له : كذب يا أمير المؤمنين ، له غلام ودابّة . قال : هما ، وحقّ رأس أمير المؤمنين ، عارية ! فتبسّم المأمون وقال : « هذا بحلّ الدراهم أعلم منه بحلّ الطلق ! » ثمّ أمر أن يعطى خمسة آلاف درهم . فلمّا خرج قال للفتى : « ردّه ! » فردّه . فقال : زيدوه ، فإنّه لا يجد في كلّ وقت من يمخرق عليه . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، عندي باب من الحملان ليس في الدنيا مثله ! قال : احمله على هذه الدراهم ، فإن كنت صادقا صرت ملكا في أقلّ من شهر . ولمّا وصل المأمون إلى بغداد وقرّ بها قال ليحيى بن أكثم : وددت أنّي وجدت رجلا مثل الأصمعيّ ممّن عرف أخبار العرب وأيّامها وأشعارها فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد . فقال له يحيى : ههنا شيخ يعرف هذه الأخبار ، يقال له عتّاب بن ورقاء من بني شيبان . قال : فابعث ليأتيني . فبعث ، فحضر . فقال له يحيى : إنّ أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه ومحادثته .
هامش
( 1 ) لم نفهم المقصود من حلّ الطلق ، ولعلّه نوع من السحر . ( 2 ) التباس الضمائر يمنع فهم الحوار .
المقفى الكبير — صفحة 187 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي