تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
الملوك وأقلّهم عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم : صدق الأمير . * * * وقيل للمأمون : لو نصبت للناس رجلا وأقمته لحوائجهم فتشاغل بهم ، واقتصرت عليه بينك وبين الرعيّة ، ولم تشغل نفسك بالاستماع إلى كلّ داخل ؟ فقال : إنّي بسطت للناس في الكلام وأذنت لهم في الدخول عليّ ، وجعلت حوائجهم بيني وبينهم ، لتصل إليّ أخبارهم ، وأعرف مبلغ عقولهم ، وأعطي كلّ امرئ منهم على قدره ، فيكون كلّ إنسان حميل حاجته ولسان طلبته ، خارجا عن يدي شكله ، والطلب إليّ مبلّغ . ولو جعلت ذلك إلى أحد ، لضاق على الرعيّة المذهب ، وخفيت عليّ أمورهم ، وحبست عنّي أخبارهم ، وموطلوا بحوائجهم ، وتأمّر عليهم غيري ، وكان الحمد والمنّ لواحد في زمانهم دوني ودون أوليائي . وخفت مع هذا أن لو نصبت لهم رجلا لا أشكر على صنيعه ، فينسون نعمتي أوليائي « 1 » ويستعبدهم غيري ، فأكون قد صيّرت أحرارا أرقّاء .

[ عدل المأمون ]

وجلس يوما للمظالم فأطال الجلوس حتى زالت الشمس ، فإذا امرأة أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط فقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته . فنظر إلى يحيى بن أكثم . فأقبل يحيى عليها فقال : تكلّمي ! فقالت : يا أمير المؤمنين ، قد حيل بيني وبين ضيعتي ، وليس لي ناصر إلّا اللّه تبارك وتعالى . فقال لها يحيى : إنّ الوقت قد فات . ولكن عودي يوم المجلس . فرجعت . فلمّا كان يوم المجلس قال المأمون : أوّل من يدعى المرأة المظلومة . فدعي بها . فقال لها : أين خصمك ؟ قالت : واقف على رأسك يا أمير المؤمنين ، قد حيل بيني وبينه - وأومأت إلى العبّاس ابنه . فقال لأحمد بن أبي خالد : خذ بيده وأقعده معها ! ففعل . فتناظرا ساعة حتى علا صوتها عليه . فقال لها أحمد بن أبي خالد : أيّتها المرأة ، إنّك تناظرين الأمير أعزّه اللّه بحضرة أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه . فاخفضي عليك ! [ 133 أ ] . فقال المأمون : دعها يا أحمد ، فإنّ الحقّ أنطقها والباطل أخرسه . فلم تزل تناظره حتّى حكم لها المأمون عليه وأمره بردّ ضيعتها . وأمر ابن أبي خالد أن يوقّع لها بعشرة آلاف درهم . * * * ودخلت عليه امرأة في أخريات الناس في أطمار بالية ، وقد أذّن المؤذّن فقالت [ البسيط ] :
يا خير منتصف يهدى له الرشد * ويا إماما به قد أشرق البلد تشكو إليك عقيد الملك أرملة * عدا عليها ، فما تقوى به ، أسد فابتزّ منّي ضياعي بعد منعتها * وقد تفرّق عنّي الأهل والولد « 1 * »
فأجابها المأمون :
في دون ما قلت عيل الصبر والجلد * منّي ودام به من قلبي الكمد
هامش
( 1 ) هكذا في المخطوط ولعلها لغة أكلوني البراغيث . ( 1 * ) الأبيات في العقد 1 / 28 ونهاية الأدب 6 / 276 .