قال : حتى أسأل عنهما .
قال : ومن تسأل عنهما ؟
قال : كنت أسألهما : من أين أنتما ؟
قال [ المأمون : إذا ] سألت الرجل : من أين أنت ؟ وقال : أنا من استيجاب . وسألت المرأة : من أين أنت ؟ فقالت : من استيجاب [ وهذا ] ابن عمّي ، تزوّجنا وجئنا ، أكنت حابسا المرأة والرجل لسوء ظنّك وتوهّمك الكاذب ، إلى أن يرجع الرسول من استيجاب ؟ . وإذا مات [ الرسول ] أو ماتا ؟
قال : كنت أسأل في عسكرك ههنا .
قال ، فلعلّك لا تصادف في عسكري من أهل استيجاب إلّا رجلا أو رجلين فيقولان لك : لا نعرفهما على هذا النسب . يا صاحب الكفن ما أحسبك إلّا أحد ثلاثة : إمّا مديون ، وإمّا رجل مظلوم ، وإمّا رجل تأوّلت في حديث أبي سعيد الخدري في خطبة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ونحن نسمع الخطبة إلى مغيربان الشمس « 1 » ، إلى أن بلغ إلى قوله : « إنّ أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر ، فجعلتني جائرا ، وأنت الجائر ، وجعلت نفسك تقوم مقام الآمر بالمعروف ، وقد ركبت من المنكر ما هو أعظم عليك . لا واللّه ، لا ضربتك سوطا ولا زدتك على تخريق كفنك ! ونفيت من آبائي الراشدين المهديّين إن قام أحد مقامك هذا لا يقوم بالحجّة إن نقصته من ألف سوط ولآمرنّ بصلبه في الموضع الذي يقوم فيه !
( قال ) فنظرت إلى عجيف وهو يخرق كفن ديث أبيا لرجل ويلقي عليه ثياب بياض .
* * * وقال إبراهيم بن محمد بن عرفة : حكى لي عن أبي عبّاد أنّه ذكر المأمون يوما فقال : كان واللّه أحد ملوك الأرض ، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة .
ودخل رجل من الخوارج على المأمون ، فقال له : ما حملك على خلافنا ؟
قال : آية في كتاب اللّه تعالى .
قال : وما هي ؟
قال : قوله
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
[ المائدة : 44 ] .
فقال له المأمون : ألك علم بأنّها منزّلة ؟
قال : نعم .
قال : وما دليلك ؟
قال : إجماع الأمّة .
قال : فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل .
قال : صدقت . السلام عليك يا أمير المؤمنين .
* * * وقال أبو العيناء : كان المأمون يقول : كان معاوية بعمره وعبد الملك [ 132 ب ] بحجّاجه ، وأنا بنفسي .
وقال قحطبة بن حميد بن قحطبة : حضرت المأمون يناظر محمد بن القاسم النّوشجاني في شيء ، ومحمّد يفضي له ويصدّقه . فقال له المأمون : أراك تنقاد إلى ما تظنّ أنّه يسرّني قبل وجوب الحجّة عليك . ولو شئت أن أقتسر الأمور بفضل بيان وطول لسان وأبّهة الخلافة وسطوة الرئاسة لصدّقت وإن كنت كاذبا ، وصوّبت وإن كنت مخطئا ، وعدّلت وإن كنت جائرا . ولكنّي لا أرضى إلّا بإزالة الشبهة وغلبة الحقّ . وإنّ شرّ
هامش
( 1 ) غربت الشمس تغرب غروبا ومغبربانا . . . كأنّهم صغّروا مغربانا . قاله ابن الأثير في النهاية 3 / 351 وأورد حديث أبي سعيد .
وإسنيجباب لم نعرفها ولعلّها داخلة في افتراض المأمون في محاققة هذا الواعظ المحتسب .