تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
عجيف بن عنبسة ، إذ طلع رجل متحنّط متكفّن . فلمّا عاينه المأمون وقف . ثم التفت إلى عجيف فقال : ويحك ! أما ترى صاحب الكفن مقبلا يريدني ؟ فقال له عجيف : أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين . فما [ 131 أ ] كرب الرجل أن وقف على المأمون ، فقال له المأمون : من أردت يا صاحب الكفن ، وإلى من قصدت ؟ قال : إيّاك أردت . قال : أو عرفتني ؟ قال : لو لم أعرفك ما قصدتك . قال : أفلا سلّمت عليّ ؟ قال : لا أرى السلام عليك . قال : ولم ؟ قال : لإفسادك علينا الغزاة . ( قال عجيف : ) وأنا ألين مسّ سيفي لئلّا يبطئ ضرب عنقه ، إذ التفت المأمون فقال : يا عجيف ، إنّي جائع ، ولا رأي لجائع ، فخذه إليك حتّى أتغدّى وأدعو به . فتناوله عجيف فوضعه بين يديه . فلمّا صار المأمون إلى رحله دعا بالطعام . فلمّا وضع بين يديه أمر برفعه وقال : واللّه لا أسيغه حتّى أناظر خصمي . يا عجيف ، عليّ بصاحب الكفن ! فلمّا جلس بين يديه قال : هيه ! يا صاحب الكفن ، ما ذا قلت ؟ قال : قلت : لا أرى السلام عليك لإفسادك الغزاة علينا . قال : بماذا أفسدتها ؟ قال : بإطلاقك الخمور تباع في عسكرك ، وقد حرّمها اللّه في كتابه . فابدأ بعسكرك ثمّ اقصد الغزو ! بماذا استحللت أن تبيع شيئا قد حرّمه اللّه كهيئة ما أحلّ اللّه ؟ قال : أو عرفت الخمر أنّها تباع ظاهرا ورأيتها ؟ قال : لو لم أرها وتصحّ عندي ما وقفت هذا الموقف . قال : فشئ سوى الخمر أنكرته ؟ قال : نعم ، إظهارك الجواري في العمّاريّات ، وكشفهنّ الشعور منهنّ بين أيدينا كأنّهنّ فلق الأقمار . خرج الرجل ما يريد أن يهراق دمه في سبيل اللّه ويعقد جواده قاصدا نحو العدوّ ، فإذا نظر إليهنّ أفسدن قلبه وركن إلى الدنيا وانصاع إليها . فلم استحللت ذلك ؟ قال : ما استحللت ذاك ، وسأخبرك عن العذر فيه ، فإن كان صوابا ، وإلّا رجعت . أشيء غير هذا أنكرته ؟ قال : نعم ، شيء أمرت به تنهانا عن الأمر بالمعروف . قال : أمّا الذي يأمر بالمنكر فإنّي أنهاه . وأمّا الذي يأمر بالمعروف فإنّي أحبّه على ذلك وأحدوه عليه . أشيء سوى ذلك ؟ قال : لا . قال يا صاحب الكفن ، أمّا الخمر فلعمري قد حرّمها اللّه . ولكنّ الخمر لا تعرف إلّا بثلاث جوارح : بالنظر والشمّ والذوق . أفشربتها ؟ قال : معاذ اللّه أن أنكر ما أشرب ! قال : أفيمكن في وقتك هذا أن تذهب إلى بائعها حتّى نوجّه معك من يشتري منها ؟ قال : ومن يظهرها لي أو يبيعنيها وعليّ هذا الكفن ؟ قال : صدقت ، فكأنّك إنّما عرفتها بهاتين
المقفى الكبير — صفحة 179 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي