تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
إليّ بعنبرة كان يقلّبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم . * * * وأشرف المأمون ليلة من موضع كان به على الحرس ، فقال : هل فيكم من ينشد لأبي نواس أربعة أبيات ؟ فقال غلام من الحرس : أنا يا أمير المؤمنين ، جعلني اللّه فداءك ! قال : هات ! فأنشد [ البسيط ] :
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند * واشرب على الورد من حمراء كالورد كأسا إذا انحدرت من حلق شاربها * أخذته حمرتها في العين والخدّ فالخمر ياقوتة ، والكأس لؤلؤة * في كفّ لؤلؤة ممشوقة القدّ تسقيك من عينها خمرا ومن يدها * خمرا ، فما لك من سكرين من بدّ لي نشوتان ، وللندمان واحدة * شيء خصصت به من بينهم وحدي
[ 130 ب ] فقال المأمون : « هذا واللّه الشعر ، لا قول الذي يقول : ألا هبّي بسلحك فالطخينا ! » وأمر للغلام بأربعة آلاف درهم .

[ من خطبه ]

وقال يحيى بن أكثم : خطب المأمون يوم الجمعة ، فقال بعد الثناء على اللّه عزّ وجلّ والصلاة على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه وحده ، والعمل لما عنده ، والتنجّز لوعده ، والخوف لوعيده ، فإنّه لا يسلم إلّا من اتّقاه ورجاه ، وعمل له وأرضاه . اتّقوا اللّه عباد اللّه وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم . وترحّلوا فقد جدّ بكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا . واعلموا أنّ الدنيا ليست لكم بدار ، فاستبدلوا فإنّ اللّه لم يخلقكم ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النار إلّا الموت أن ينزل به . وإنّ غاية تنقضها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة أن تنقص المدّة . وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ بسرعة الأوبة . وإنّ قادما يحلّ بالفوز والشقوة لمستحقّ لأفضل العدّة ، فاتّقى عبد ربّه ونصح نفسه وقدّم توبته وغلب شهوته ، فإنّ أجله مستور عنه وأمله خادع له ، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها ويمنّيه التوبة ليسوّفها حتى تهجم عليه منيّته أغفل ما يكون عنها ، فيا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة أو تؤدّيه أيّامه إلى شقوة . فنسأل اللّه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تبطره نعمته ولا تقصّر به عن طاعته ولا تحلّ به بعد الموت حسرة ، إنّه سميع الدعاء ، وبيده الخير ، وإنّه فعّال لما يريد . * * * [ ( قال ) ] وسمعت المأمون يخطب يوم العيد ، فأثنى على اللّه وصلّى على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأوصاهم بتقوى اللّه وذكر الجنّة والنار ثم قال : عباد اللّه ، عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العاملين ، وطال أمد المرتقبين ، فو اللّه إنّه للجدّ لا اللعب ، وإنّه للحقّ لا الكذب ، وما هو إلّا الموت والبعث والحساب ، والفصل والصراط ثمّ العقاب والثواب . فمن نجا يومئذ فقد فاز ، ومن هوى يومئذ فقد خاب ، الخير كلّه في الجنّة والشرّ كلّه في النار .

[ المأمون والواعظ الكاذب ]

وقال الحسن بن عبد الجبّار : بينا المأمون في بعض مغازيه يسير منفردا عن أصحابه ، ومعه