ودخل ابن هبيرة يوما على أبي جعفر فجعل يحدّثه ، وأبو جعفر مزور عنه . فجعل ابن هبيرة يقول : عليّ فأقبل أيّها الرجل !
فلمّا خرج قال أبو جعفر : ألا تعجبون من ابن اللخناء وقوله لي ؟
وقال أبو جعفر لمسلم بن قتيبة : ما كلّمت عربيّا قطّ أعظم نخوة من ابن هبيرة ولا أحسن عقلا . قال لي يوما وهو يكلّمني : « اسمع ، للّه أبوك ! » ثم تدارك فقال : « إنّ عهدنا بالإمرة والولاية قريب ، فلا تلمني . إنّها خرجت منّي على غير تقدير ، فاغفرها » . فقلت : قد غفرتها .
[ ولاية أبي جعفر الجزيرة ]
ولمّا انقضى أمر ابن هبيرة انصرف أبو جعفر والحسن بن قحطبة ومن معهما إلى أبي العبّاس ، فاستعمل أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين .
فقدم قرقيسيا وعليها المنذر بن الزبير بن عبد الرحمن بن هبّار بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى ، فدعاه إلى الطاعة فأبى .
فخلف عليها مالك بن الهيثم فقتل المنذر وصلبه .
ومضى أبو جعفر إلى الرقّة فدعا أهلها فلم يجيبوه فخلّف عليهم موسى بن كعب ففتحها وغلب عليها .
وسار أبو جعفر في مدن الجزيرة يصالح من دخل في طاعته ويخلّف على من التوى عليه حتّى فتحها . فكان ممّن صالح أهل الرها وأهل نصيبين وأهل دارا .
وخرج في ولايته بريكة بن حميد الشيبانيّ في قوم من الخوارج ، فوجّه إليهم مقاتل بن حكيم العكّي واتّبعه من كفر توثا « 1 » إلى بعض قرى دارا فالتقوا فقتل محمد بن سعيد خدينة بن عبد العزيز بن الحرث بن الحكم بن أبي العاصي ، وكان مع الخوارج ، واعتصم بريكة بجبل دارا ، فتوجّه إليه العكّي فقتله . وأمر أبو جعفر بهدم مدائن الجزيرة فهدمت إلّا حرّان [ 87 أ ] . واستعمل على أرمينية يزيد بن أسيد بن ذافر السلميّ . ثمّ شخص في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين إلى أرمينية فدوّخها . فاستأمن إليه جماعة كانوا في قلعة الكلاب « 1 * » . وقفل منها سنة ستّ وثلاثين [ ومائة ] . وعزل يزيد بن أسيد وولّى أرمينية الحسن بن قحطبة .
[ حجّ أبي جعفر وما كان من أبي مسلم إليه حتى كان سببا لقتله ]
وكان أبو مسلم قد كتب إلى السفّاح يستأذنه في الحجّ . فكتب إليه : إنّ الجهاد أفضل من الحجّ .
فكتب : إنّه لا بدّ لي من الحجّ ، فإنّي حججت وأنا تابع بغير مالي ، وعلى غير ظهري ، وفي نفسي من ذلك شيء .
فكتب إليه يأمره بالقدوم في ألف ويقول : إنّما تسير في سلطان أهلك ، وطريق مكّة لا تحمل العساكر ، فأمّا المال فلا تستكثر منه وعوّل علينا فيه .
فأقبل في الرجال ومعه الأموال حتى نزل الريّ ، وخلّف بها ثمانية آلاف فارس ، وخلّف الأموال .
وأتى الأنبار في ألف ، وقال : إنّي لأرجو أن يموت أبو العبّاس فأكون أقوى مع من « 2 * » يأتي بعده ، ثم أغلب على الأمور ، ويكون لي شأن من الشأن فلا يبقى بلد إلا وطئته برجليّ هاتين .
فلمّا دخل على أبي العبّاس السفّاح أظهر أبو
هامش
( 1 ) كفر توثا : على خمسة أميال من دارا بينها وبين رأس -
- عين ( ياقوت ) .
( 1 * ) درب الكلاب عند ياقوت ، في ديار بكر .
( 2 * ) في المخطوط : مع أقوى من . . .