تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
العبّاس له جفوة لما بلغه عنه ، ثم أظهر له مبرّة ، وقال له : لولا أنّ أخي على الحجّ في عامه لولّيتك الموسم ، فإنّك رجل من أهل البيت . وكان أبو جعفر لمّا بلغه أن أبا مسلم على الحجّ كتب إلى أخيه أبي العبّاس من الجزيرة يسأله أن يولّيه الموسم . ويقال : بل كره أبو العبّاس أن يسأله أبو مسلم ولاية الموسم فلا يجد بدّا من توليته إيّاه فكتب إلى أبي جعفر بالقدوم ليقلّده الموسم . ووافى أبو مسلم فدخل على أبي العبّاس وأبو جعفر عنده ، فسلّم على أبي العبّاس ولم يسلّم على أبي جعفر . فقال له أبو العبّاس : هذا أبو جعفر أخي . فقال : إنّ مجلس أمير المؤمنين مجلس لا تقضى فيه الحقوق . فأسرّها أبو جعفر وأضافها إلى ما حقده على أبي مسلم من قبل : وهو أنّ أبا العبّاس وجّهه حين استخلف في ثلاثين من بني هاشم ومن الفقهاء ، فيهم الحجّاج بن أرطأة « 1 » إلى أبي مسلم ليهنّئوه بظهور الإمام وما فتح اللّه على يده ، ويعلموه موقع ما كان له من الأمر الجميل عند أمير المؤمنين ، والذي هو عليه من شكره . فلمّا قدم عليه أبو جعفر وقف على بابه محجوبا ساعات ، ثم أذن له فلم يظهر له من التبجيل ما كان يستحقّه [ 87 ب ] ولم يؤمّره « 2 » ، فحقد ذلك عليه . فلمّا قدم على أبي العبّاس قال : إنّه لا ملك لك ولا سلطة أو تقتل أبا مسلم ، فقد أفرط في الدالّة وعدّى طوره ! فأشار إليه أن اسكت ! ثم لمّا بعث أبو العبّاس أبا جعفر إلى أبي مسلم في أمر أبي سلمة الخلّال ، كان يأتي دهليزه فيجلس فيه ويستأذن له الحاجب . ثم أمر بعد ذلك أن ترفع له الستور إذا جاء وتفتح الأبواب . وكان يحقد عليه أيضا قتله سليمان بن كثير ويقول : قتل نقيب نقبائنا ورئيس شيعتنا وشيخ دعوتنا . ويحقد أيضا قتل ابنه وقتل لاهز . فلما خرجا إلى الحجّ كان أبو مسلم يتقدّم أمام أبي جعفر بادئا وراجعا خوفا على نفسه لما كان حقد عليه حين أتاه بخراسان ، من إجلاسه إيّاه في دهليزه ، وكتابه إليه يبدأ بنفسه ، مع أشياء كانت تبلغه عنه . فكان أبو مسلم يقول : ما وجد أبو جعفر سنة يحجّ فيها إلّا هذه السنة التي حججت فيها ؟

[ استخلاف أبي جعفر ]

فلمّا قضيا الحجّ وأقبل أبو مسلم ، فكان بين البستان وذات عرق « 1 * » جاء أبا جعفر وفاة أخيه أبي العبّاس السفّاح ، وأبو مسلم يتقدّمه بمرحلة فكتب إلى أبي مسلم : إنّه قد حدث حدث ليس مثلك غاب عنه ، فصر إليّ ! فلم يقدم عليه ، وكتب إليه كتابا بدأ فيه بنفسه . فقال أبو جعفر : أنا بريء من العبّاس إن لم أقتل ابن وشيكة ! وكان أبو مسلم يصلح العقاب ، ويكسو الأعراب في كلّ منزل ، فكان ذلك يغيظ أبا جعفر ، ويرى أنّه استطالة منه عليه . فلمّا ورد أبو جعفر الأنبار وجد عيسى بن موسى بها وقد حوى الخزائن والأموال وحفظها فسلّمها إليه . وكان عبد اللّه بن عليّ قد خلع ، فندب أبو جعفر المنصور أبا مسلم لحربه فسارع إلى ذلك ليتخلّص من يده .
هامش
( 1 ) الحجّاج بن أرطأة : الوفيات 2 / 54 ( 150 ) . ( 2 ) أي لم يخاطبه بوصفه أميرا . ( 1 * ) بستان بني عامر وكثيرا ما يقال : البستان فقط ( ياقوت ) . وذات عرق : في طريق مكّة من الكوفة ( تاريخ اليعقوبيّ ، 312 ) .
المقفى الكبير — صفحة 113 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي