تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وذكر أنّ أبا مسلم لمّا قدم الأنبار أراد عيسى بن موسى على خلع المنصور ومخالفته وقال له : أنت وصيّ الإمام ، وأحقّ بالأمر من أبي جعفر . فقال له : الأمر لعمّي ، ولو قدّمني أبو العبّاس لقدّمته على نفسي ! وقال ابن الأعرابيّ عن المفضّل الضبّي : أتت أبا مسلم وفاة أبي العبّاس ، ولم يعلم أنّه قد ولّى أبا جعفر المنصور الخلافة بعده . فكتب إلى المنصور : عافاك اللّه وأمتع بك ! أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين رحمه اللّه ، فبلغ منّي أعظم مبلغ وأمسّه وجعا وألما . فأعظم اللّه أجرك وجبر مصيبتك ، ورحم اللّه أمير المؤمنين وغفر له وجزاه [ 88 أ ] بأحسن ما عمله ! فلمّا قرأ كتابه استشاط غضبا وكتب إليه : من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى عبد الرحمن : وصل كتابك فرأيتك غير موفّق فيه للرشد ، ولا مسدّد للصواب . ولكنّي ذكرت ما تقدّم من طاعتك فعطفني عليك . وقد ولّيتك مقدّمتي ، فسر على اسم اللّه وبركته حتى توافي الأنبار . ومن أنكرت من أمره شيئا من عمّالنا ، فصرفه والاستبدال به إليك . فحقد كلّ واحد منهما على صاحبه . قال ابن الأعرابيّ : وحدّثني سعد بن الحسن أنّ المنصور لمّا قرأ كتابه أجابه عليه ، وقد استشاط ، فقال لعطيّة بن عبد الرحمن البجليّ : لمثلها كنت أحسّيك الحسى . إنّ العبد كتب إليّ بما ترى ، وقد أجبته . فانطلق بالكتاب إليه ، فإذا أخذ في قراءته فاضرب عنقه ! فإن قتلت فشهادة ، واللّه خليفتك على من تخلّف ، وهو عندي عدل ولدي ، وجرايتي عليه . وإن سلمت فلك من المكافأة ما يطأ به العرب عقبك . فقال له إسحاق بن مسلم : يا أمير المؤمنين ، إنّه لا يؤمن أن ينبو سيفه فيقتل باطلا ثم يكرّ العلج علينا . وقال له مزيد بن أسيد : اذكر قول القطاميّ [ البسيط ] :
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقال له أبو أيّوب كاتبه : أجر الأمر حتّى يقدم عليك شيعتك وأهل بيتك . فأنفذ المنصور كتابه مع غير عطيّة . وذلك أنّه لمّا بلغ أبا مسلم موت أبي العبّاس كتب به إلى أبي جعفر ، وهو لا يعلم باستخلافه إيّاه . فلمّا أتاه أنّه قد استخلفه كتب إليه : أصلحك اللّه يا أمير المؤمنين صلاحا تامّا ناميا . بلغني هذا الأمر الذي أقطعني وأتاني به كتاب عيسى بن موسى مع محمد بن الحضين . إلّا أنّه سرّى عنّي الغمّ ولوعة المصيبة ما صار إليك من الأمر . فنسأل اللّه أن يعظم أجرك ويحسن الخلافة عليك فيما ولّاك ، وأن يبارك لك فيما قلّدته . اعلم أنّه ليس أحد يا أمير المؤمنين أشدّ تعظيما لحقّك وحرصا على مسرّتك منّي . واللّه أسأل لك السلامة في الدين والدنيا . وكان ورود الكتاب عليه بصفينة « 1 * » . ثم بعث أبو مسلم بالبيعة بعد يومين ، وإنّما أراد أن يرهبه . ولمّا توفّي أبو العبّاس قام عيسى بن عليّ فخطب الناس بالأنبار فقال : الحمد للّه أهل الحمد ووليّه ، ذي المجد والعظمة ، والكبرياء والقدرة ، الذي كتب الموت على خلقه وسوّى فيه بين عباده فلم يعرّ منه [ 88 ب ] ملكا مقرّبا ، ولا نبيّا مرسلا ،
هامش
( 1 * ) صفينة : بلد بالعالية من ديار بني سليم ( ياقوت ) .