تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
لم ير مثله . وركب عند غروب الشمس بجميع العسكر وأقام المحرس حول العسكر خشية أن يبيّتهم النكّار وأقام على ذلك ثلاث ليال ثمّ جعل ذلك نوبا على العسكر في الليل والنهار . وقطع الميرة عن القلعة من جميع الطرق . وفي اليوم الرابع من نزوله أمر بحفر الخندق على معسكره في سفح القلعة وأخذ بيده معولا فحفر به أوّل الناس ، فتسارعوا بأجمعهم في الحفر وجدّوا فيه . وأمر بقطع شجر الزيتون والثمار التي في سفح الجبل . وأخذت الرّماة في الرمي فقتلوا جماعة من أصحاب أبي يزيد بالنشّاب ، وصلّى المنصور بالناس المغرب تحت القلعة وانصرف إلى مضاربه . فبلغه أن النكّار على عزم بيات العسكر ، فأمر الكافّة بالخروج عن العسكر بالخيل والرجل وأمرهم بالصمت . فأقبل القوم في أوّل الليل فألفوا العسكر مستعدّين فانصرفوا . ثمّ عادوا فلم يجدوا فرصة فانصرفوا . ثمّ لمّا كان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شوّال ، زحف المنصور إلى القلعة وترجّل أكثر الناس ، وصعد المنصور بنفسه إلى القلعة وجلس على بساط ، والناس في القتال . ثمّ ركب يحرّضهم حتّى غربت الشمس [ ف ] انصرف بهم ، وقد أثخنوا في العدوّ . وبعث طائفة إلى غربيّ القلعة وشمالها حيث كان النكّار يرعون دوابّهم ، فحصروا القلعة من تلك الجهة حتّى ضاق أهلها ضيقا شديدا . وزحف يوم الجمعة لعشر بقين منه ، وصعد بنفسه إلى سفح القلعة وكان قتالا شديدا إلى المساء ، وكان يوم السبت مثل ذلك إلى الليل . وكان قد بعث طائفة من العسكر إلى قلعة شاكر وبها قبائل هوارة ومن انضمّ إليها فحصروها حتّى استأمنوا وملكها . فلمّا علم بذلك أبو يزيد ومن معه طارت قلوبهم رعبا وخوفا . ثمّ زحف أبو يزيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة إلى الخندق فقاتل ورجع خاسئا . وفي غرّة ذي الحجّة نزل جماعة من كيانة بحرمهم مستأمنين فأمّنهم المنصور وأحسن إليهم .

[ عيد الأضحى في حصار كيانة ] :

وجاء عيد الأضحى يوم الجمعة ، فركب المنصور إلى المصلّى على فرس ورد بتجافيف مذهب [ ة ] وعليه ثوب أصفر وعمامة صفراء ، والمطارد « 1 » والبنود والطبول في نواحي العسكر ، فصلّى بالناس ثمّ رقي المنبر فخطب « 2 » . « باسم اللّه الرحمن الرحيم . « اللّه أكبر ! اللّه أكبر ! لا إله إلّا اللّه . « واللّه أكبر ! اللّه أكبر ! وللّه الحمد . « الحمد للّه المتوحّد بالربوبيّة ، المتفرّد بالوحدانيّة ، المتعزّز بالقدرة والبقاء ، المتجبّر بالعظمة والكبرياء ، الأوّل بلا غاية ، والآخر بلا نهاية ، المتعالي عن تشبيه الجاهلين وتحديد الواصفين وتكييف الناعتين . « وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ [ 193 أ ] محمّدا عبده ورسوله ، أكرمه بالنبوّة ، واصطفاه بالرسالة ، وحباه بالفضيلة وابتعثه بالنور ساطعا ، وبالحقّ صادعا ، وبالهدى آمرا ، وعن الكفر زاجرا ، وعلى الأنبياء مهيمنا ، ولما جاءوا به مصدّقا . فبلّغ الرسالة ، وهدى من الضلالة ، وأنقذ من الهلكة ، وأنهج معالم الدين وفرائضه ، وبيّن حدوده وشرائعه ، وجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين ، صلّى اللّه
هامش
( 1 ) المطرد : الرمح القصير . والتجفاف بالكسر والفتح : ضرب من الدروع للرجل والفرس . ( 2 ) الخطبتان في عيون الأخبار ، 428 .