تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
الأمر صحيحا فقسّ قلب السلطان علينا ، وإن كان كذبا فحنّن خاطره علينا ! . فأعاد قجليس قوله على السلطان ، فقال : عد وفكّ قيده فإنّه ما يكذب . ففكّ القيد وأتاه به ، فأنعم عليه بإمرته على عادته . ولم يعرف عن السلطان أنّه قبض على أمير وأفرج عنه ، غيره . وما زال على مكانته حتى مات السلطان ، وكانت تلك الاختلافات من بعده . [ ف ] أراد الناصر أحمد أن يقبض عليه فاحترس على نفسه وانقطع عن الخدمة وأظهر أنّه مريض . فأخرج لنيابة صفد . ثمّ كتب لآق‌سنقر الناصريّ نائب غزّة بالقبض عليه بصفد ، فإلى أن يجمع أقسنقر عسكر غزّة ويسير بهم بلغ خبره الأحمديّ . فسار من صفد [ 318 ب ] وقد لبس للحرب هو ومماليكه . فقاتله عسكر صفد فقتل منهم خمسة ومضى إلى دمشق فقدمها ، وبها الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب ، والأمير طرنطاي الحاجب ، في عدّة من خشداشيّته ، فتلقّوه وأكرموه . فلم يكن غير يومين حتى قدم كتاب الناصر أحمد من الكرك ، وقد سار إليها من قلعة الجبل وأقام بها ، يأمر فيه بالقبض على الأحمديّ ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، ودسّوا للأحمديّ بأن يركب للحرب ، ثم ركبوا حتى واجهوه وكاسروا عن قتاله وأعادوا القاصد بجواب غير طائل . وكتبوا إلى أمراء مصر ، وإلى آيدغمش نائب حلب ، وإلى الحاج آل ملك نائب حماة ، حتى انتقضت دولة أحمد وتسلطن الصالح إسماعيل بن محمد ، فكتب إليه بنيابة طرابلس فتوجّه من دمشق إليها فأقام بها نحوا من شهرين . ثمّ طلب إلى مصر ، وولي طرابلس عوضه الأمير أروم بغا « 1 » ، فلمّا قدم الأحمديّ إلى قلعة الجبل ، أنعم عليه بإمرة . وجهّز [ ه ] لحصار الناصر أحمد في الكرك ، فبالغ في ذلك فلم ينل منه غرضا ، وعاد إلى القاهرة . فأقام بها حتى مات في [ . . . ] سنة ستّ وأربعين وسبعمائة ، وقد قارب الثمانين سنة . وكان فيه برّ وكرم نفس وإيثار للفقراء ، مع الشجاعة ، وحسن الشكالة ، وقوّة النفس ، وشدّة البأس ، والديانة والصيانة . وله عناية باقتناء الخيول المسوّمة والمماليك الحشمة ، ولم يركب قطّ حجرة ، وإنّما يركب الفحولة . وكان يحبّ الشجعان ، ولا يزال يأخذ مماليكه بالمواظبة على اللعب بالرمح والرمي بالنشّاب ، ويعنى بآلات الحرب ، حتى إنّه بعد خروجه من صفد وهو لابس ومماليكه فضل عنه ثمانون قرقلا « 2 » وثمانون بركصطوان « 3 » ومائة خوذة ونحو خمسين ألف فردة نشّاب ، وغير ذلك من السروج والآلات . وكان أحد من يسار إليه بعد الملك الناصر محمد في التولية والعزل . وهو الذي قوّى عزم الأمير قوصون على إقام [ ة ] أبي بكر ابن الناصر في السلطنة وخالف رأي الأمير بشتاك ، ثمّ لمّا أخذ أبو بكر في اللعب قال في القصر : إيش هذا اللعب ؟ - فانفلّ ندماء السلطان المنصور أبي بكر .
هامش
( 1 ) في المنهل : أرنبغا وكذلك في السلوك 2 / 637 . ( 2 ) القرقل : نوع من الدروع تتّخذ من صفائح الحديد المغشّاة بالديباج ؛ السلوك 1 / 746 . ( 3 ) البركصطون وهو ما يسمّى أيضا التجفاف : كساء مركزس يلبس للخيل إمّا للوقاية وإمّا للزينة ؛ السلوك 1 / 177 ( هامش ) ودوزي .