تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وأخرج طائفة من مماليكه إلى الصعيد ، فلمّا بلغه تسحّب برلغي صهره أيس من البقاء في السلطنة واتّضع حاله وظهر عليه الخذلان ، فتجرّأت عليه البرجيّة وعنّفوه تعنيفا خشنا لتغاضبه عن سلّار ، ونسبوا كلّ ما وقع إليه - وكان كذلك « 1 » . فوافقهم على قبضه يوم الاثنين نصف رمضان إذا دخل إلى الخدمة . فبلغ ذلك سلّار فلم يحضر وتمارض . فبعث المظفّر يستدعيه ليأخذ رأيه فاعتذر بشدّة الألم عن الحضور . وأصبح بيبرس يوم الثلاثاء سادس عشرة فطلب الأمراء واستشارهم ، فأشار عليه الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص بالنزول عن السلطنة والإشهاد عليه بذلك كما فعل الملك الناصر ، وتبعث تستعطفه ، وتخرج إلى أطفيح حتى يأتيك جوابه .

[ تنازل بيبرس عن السلطنة ] :

فمال إلى هذا وجهّز خيّالة وأخذ من الخزائن ما وقع عليه اختياره ، وركب ومعه الأمير أيدمر الخطيريّ أستادار ، وبكتوت الفتّاح ، وقجماس ، وباكير ، في عدّة من الزامه . فكأنّما نودي في الناس أن قد فرّ السلطان ! - فاجتمعوا من كلّ جهة ووافوه وهو قد [ 317 ب ] خرج من باب الإصطبل فصاحوا عليه وتبعوه وهم يبالغون في الصياح . ورماه بعضهم بالحجارة ، فنثر عليهم دراهم ليتشاغلوا عنه فلم يلتفتوا إليها ، وعدوا خلفه يسبّو [ ن ] ه ويشتمو [ ن ] ه ويصيحون عليه . فلمّا زادوا ردّ إليهم طائفة من المماليك وسيوفهم مسلولة فرجعوا عن أعقابهم . وكانت مدّة سلطنته عشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما ، كان كما قيل [ الخفيف ] :
أعجلتها النوى فما نلت منها * طائلا غير نظرة من بعيد
ومرّ بيبرس سائرا إلى إطفيح ، وكان لا ينزل منزلة إلّا وتذهب طائفة بعد طائفة ممّن معه ويأتون [ 274 ب ] القاهرة ، إلى أن وصل إخميم ، فتركه الخطيريّ والفتّاح وعادا ، وتبعهما أكثر المماليك ، وبيبرس يراهم فلا يقدر على منعهم . وقدم عليه بيبرس الدوادار وبهادر آص بأمان الملك الناصر والإنعام عليه بصهيون ، وطلب ما معه من المال وغيره ، فقبل ولاية صهيون وسلّم ما أخذه من المال وغيره لكاتبه كريم أكرم الكبير ليحضر به إلى السلطان . وسأل أن يحلف له السلطان فأجابه إلى ذلك وحلف بحضرة أيتمش المحمّدي وسيّره إليه . فكتب الجواب بالطاعة .

[ القبض عليه بأمر من الناصر ] :

وتوجّه على طريق السويس يريد الشام ، فبعث السلطان في طلبه الأمير أسندمر كرجي على جماعة من المماليك ، فوافى مدينة غزّة وقد نزلها الأمير قراسنقر نائب الشام ومعه النوّاب فأقاموا حتى بلغهم قرب بيبرس ، فساروا بأجمعهم إليه فلقوه شرقيّ غزّة ، وعليهم السلاح ، وقد لبس مماليك بيبرس أيضا السلاح ليقاتلوا العسكر فكفّهم بيبرس عن ذلك وساق فرسه إلى الأمراء مستسلما لهم فأخذوه وعادوا به إلى غزّة وأنزلوه وحده وأحاطوا على أسلحة مماليكه كلّها ، ووكّلوا بهم وباتوا يحرسونهم . فلمّا كان من الغد ساروا بيبرس يريدون مصر إلى أن نزلوا الخطّارة . [ ف ] أتاهم أسندمر كرجي وأمرهم بتقييده وأركب على بغل وسار به أسندمر .
هامش
( 1 ) تبسّط المقريزي في هذا الحكم في السلوك 2 / 70 ، فزاد : فإنّ سلّار لمّا فاتته السلطنة وقام فيها بيبرس ، حسده ودبّر عليه .