إذا المرء أفشى سرّه بلسانه * ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه * فصدر الذي استودعته السرّ أضيق
وكتب إلى المأمون في يوم مهرجان وقد بعث إليه بهديّة [ الطويل ] :
على العبد حقّ فهو لا بدّ فاعله * وإن عظم المولى وجلّت فواضله
ألم ترنا نهدي إلى اللّه ما له * وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدى للمليك بقدره * لقصّر فضل المال عنه وسائله « 1 »
ولكنّنا نهدي إلى من نجلّه * وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله
وذكر أبو بكر محمد بن يحيى الصوليّ عن أبي الحارث النوفليّ ، قال : كنت أبغض القاسم بن عبيد اللّه لمكروه نالني منه . فلمّا مات ابنه الحسن قلت على لسان ابن بسّام [ مخلّع ] :
قل لأبي القاسم المرجّى * قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زينا * وعاش ذو الشين والمعايب
حياة هذا كموت هذا * فليس تخلو من المصائب
قال الصوليّ : وإنّما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب لبعض إخوانه من الكتّاب ، وقد ماتت له ببّغاء ، وكان له أخ يضعّف ، فكتب إليه [ الخفيف ] :
أنت تبقى ونحن طرّا فداك * أحسن اللّه ذو الجلال عزاكا
فلقد جلّ خطب دهر أتانا * بمقادير أتلفت ببّغاكا
عجبا للمنون كيف أتتها * وتخطّت عبد الحميد أخاكا
كان عبد الحميد أصلح للمو * ت من الببّغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعا * فقدنا هذه ورؤية ذاكا
( قال ) وإنّما أخذه أحمد بن يوسف من قول أبي نواس لمّا مات الرشيد وقام الأمين ، يعزّي الفضل بن الربيع وزاد في المعنى [ الطويل ] :
تعزّ أبا العبّاس عن خير هالك * بأكرم حيّ كان أو هو كائن
حوادث أيّام تدور صروفها * لهنّ مساو مرّة ومحاسن
وفى الحيّ بالميت الذي غيّب الثرى * فلا أنت مغبون ولا الموت غابن « 2 »
وجاء أبو العتاهية يريد الدخول على أحمد بن يوسف فمنعه الحاجب فقال ، وكتب بها إليه [ الطويل ] :
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى * وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
فوجّه إليه بخمسة آلاف درهم . فبلغ ذلك عليّ بن جبلة فقال : بئس ما صنع أبو العتاهية ! كان ينبغي أن يقول له :
أأحمد إنّ الفقر يرجى له الغنى فيسير باسمه .
ولمّا مات أحمد بن يوسف قالت فيه نسيم مغنّيته ترثيه [ الطويل ] :
ولو أنّ ميتا هابه الموت قبله * لما جاءه المقدور وهو هيوب
هامش
( 1 ) البيت مضطرب ، والإصلاح من الوافي 8 / 281 .
( 2 ) ديوان أبي نواس 581 .