تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
ثمّ عاد إلى تونس وأقام بها . وكان يعلّم الصبيان ويؤمّ بمسجد . ثمّ ترك تعليم الصبيان وأقبل على الوعظ . وصنّف نحوا من أربعين كتابا ، منها كتاب في الوعظ يتداوله الناس ببلاد إفريقيّة ، كما يتداولون كتب ابن الجوزيّ ، ولا غنى بهم في [ 87 ب ] الوعظ عنه . ومنها كتاب شرح الأسماء الحسنى في مجلّدين كبيرين ، ضمّنه فوائد جمّة . وكتاب شمس المعارف في علم الحرف ، وهو عزيز الوجود ، يتنافس الناس فيه ويبذلون فيه الأموال الجزيلة . وكتاب اللمعة النورانية . وكتاب الأنماط . وكان كثير الانقطاع والعبادة من التهجّد والصوم ، يلازم الإمساك عن الطعام في أكثر أوقاته ويؤثر العزلة على مخالطة الناس ، ويخرج في أغلب الأيّام إلى جبل ماكوض « 1 » على البحر شرقيّ تونس على يومين منها ، فيقيم به . ولم يكن له أولاد ولا أتباع لإعراضه عن ذلك . وتؤثر عنه أحوال عجيبة من الخطوة « 2 » في المشي والاختفاء عن الناس والاحتجاب عنهم : فساعة هو معك تراه ، وساعة يغيب عنك ويتوارى في الطريق فلا يظهر لك إلّا بعد أسبوع وأكثر . وكان كثيرا ما يأتي بما يقترح عليه من الفواكه والخضراوات في غير أوانها ، ويأتي إلى النساء أولات الحمل بذلك في غير حينه فيقرع أبوابهنّ ليلا ونهارا ويقول : خذوا شهواتكنّ لعلّ اللّه ينفعنا بسببكنّ . ولم يكن في زمنه ببلده أحسن خلقا ولا أكثر معرفة بعلم الحساب والحروف منه [ ح 2 ] حتى إنّه كان يقال له : كنديّ [ ح 3 ] الزمان . ويقال إنّ الحروف كانت تخاطبه فيعلم منها منافعها ومضارّها . وقال له الحافظ ابن عساكر بدمشق : إنّ الناس يذكرون أنّ هذه الدولة الفاطميّة قرب زوالها . فقال : وكذلك الدولة العبّاسيّة أيضا . ولكنّ الدولة الفاطميّة آن زوالها وحان ، والدولة العبّاسيّة قرب وكاد ، وليس بين الدولتين إلا قريبا من تسعين سنة . قال : فمن يكون بعدهم ؟ قال : قوم لا يعبأ اللّه بهم ، وإن أحسنوا . هم كالنّمر مع البقر أو كالذئب مع الغنم ، يؤيّد اللّه بهم هذا الدين ويعمر بهم الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة : هم الذين وقعت فيهم الإشارة من صاحب الشريعة حيث قال ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « إنّ اللّه ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر » « 3 » ، فما رأيت أكثر منهم عملا تظاهرا بفجور إذا ظهروا . فقال له ابن عساكر : فبلادك أنت ؟ فقال : يظهر فيها بعد هؤلاء الذين بها قوم سوء ثمّ قوم سوء ، ثمّ قوم سوء . [ قال ] : فما وراء ذلك ؟ قال : كذلك حتى ينزل عيسى بن مريم عليه السلام . وقال له الحافظ السلفيّ يوما : إنّ أهل بلدنا - يعني الإسكندريّة - يذكرون عنك أنّ عندك شيئا من علم الغيب ! فقال له : قال اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
هامش
( 1 ) لم نعرف هذا الجبل في جبال بلادنا . وقد يكون جبل عبد الرحمن بالوطن القبليّ أو جبل قربص . ( 2 ) لم نفهم الخطوة في المشي . ( 3 ) هذا الحديث عند البخاري بأرقام 3062 ، 4203 ، 6606 من فتح الباري وعند مسلم رقم 178 .
المقفى الكبير — صفحة 463 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي