تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
تفقّه في صباه على مذهب مالك ، ودرس في مدرسة جدّه ، وكان ذكيّا فاضلا ، إلّا أنّه تجرّد ، واستعمل حشيشة الفقراء ، فكثر هذره ، وزادت رعونته ، وصار يركب في قفص حمّال على رأس إنسان ، وقد لبس ثوبا أزرق بلغ ركبتيه ، وأخذ بيده مدية صغيرة ، ووضع إلى جانبه قرطاس حلوى ، وهو يأكل منها ، ويدور به في مواضع النزه وغيرها . فإذا رأى أميرا أو رئيسا قال : « أعطني مائة ، أعطني كذا ! » فلا يخالفه . وكان يعمّم رأسه بشرطوط « 1 » دقيق طويل جدّا ، ويعاشر الأراذل ، ويلبس قميصا أزرق ، ويمشي تارة وبيده عكّاز . وكان يصحب الفارس أقطاي فيركب معه النيل للنزهة ، وربّما ركب بيبرس معهما قبل سلطنته . وكان يجرّد الأكابر ، وكان الحمّالون يبادرون إلى حمله ويستبقون له ، من أجل أنّه مهما فتح عليه به ، أجزل منه نصيب الحمّال . وله نوادر كثيرة ، منها أنّ الملك الظاهر ركب بعد سلطنته إلى الميدان قبل عمارة قناطر السباع ، وكان ممرّه على باب زويلة إلى باب الخرق ، وقد قام ابن الصاحب على حانوت صيرفيّ . فعند ما حاذاه السلطان ضرب بمفتاح عنده على خشبة ضربا مزعجا . فالتفت السلطان فرآه فقال : هاه ! علم الدين ! فقال : إيش علم الدين ؟ أنا جيعان . فرسم له بثلاثة آلاف درهم . وحضر يوما بعض المدارس ، والنقيب يقول : باسم اللّه ، فلان الدين القليوبي ؟ باسم اللّه فلان الدين الدمنهوري ، [ 163 أ ] باسم اللّه فلان الدين المنوفيّ ، باسم اللّه فلان الدين البهنسيّ ! فقال : ويلك ! هذه مدرسة ، وإلّا مدقّ كتّان ؟ - يعني أن الذين ذكرهم فلّاحون . وحضر مرّة الدرس ، وهم يبحثون في شيء قد خبطوا فيه . فقام وجلس وسط الحلقة كأنّه يبول . فقيل له : ما هذا ؟ فقال : لا بأس بالرجل يبول بين غنمه وبقره . ودخل يوما المدرسة فسمعهم يغتابونه ، فجاء ليبول عليهم ، فقالوا : ما هذا ؟ فقال : كلّ ما أكل لحمه فبوله طاهر . وقال له الأمير علم الدين شيخ الشجاعي لمّا بنى القبّة المنصوريّة : أيّما أحسن ، هذه أو المدرسة الظاهريّة ؟ فقال : هذه مليحة ، إلا أنّ الذي يصلّي في الظاهريّة يبقى جحره في وجه الذي يصلّي في مدرستكم . وكان بمصر رجل يجرّد الناس ، ويقال له : زحل . فبينا ابن الصاحب يزن دراهم ثمن حلوى اشتراها إذا بزحل أقبل ، فقال للحلاويّ : أعطني الدراهم ، ما بقي لي حاجة بالحلوى . . فقال : لم ؟ قال : أما ترى زحل قارن المشتري في الميزان ؟ وقال مرّة لامرأة ركبت حمارا ودخل الهواء في إزارها . فقال : واللّه ما ذي إلّا قبّة ! فقالت : كيف لو رأيت الضريح ! فأخرج أيره وقال : كنت أهدي له هذه الشمعة نذرا . وكان إذا رأى الصاحب بهاء الدين ابن حنّا يقول :
اشرب وكل وتهنّا * لا بدّ أن تتعنّى
هامش
( 1 ) شرطوط : خرقة قماش .